آخر تحديث :الثلاثاء - 15 سبتمبر 2026 - 11:30 م

كتابات واقلام


مفارقات مكلفة…

الثلاثاء - 15 سبتمبر 2026 - الساعة 10:49 م

احمد عبداللاه
بقلم: احمد عبداللاه - ارشيف الكاتب


تتعامل الشرعية في خطابها مع ما جرى في الساحل الغربي وباب المندب باعتباره "حدث عارض" وهي عبارة تبدو وكأنها آخر ما تبقى في صندوق رفع المعنويات بعد أن غاب التعامل الحقيقي مع حجم الصدمة.
وسارعت بعض القنوات إلى تلقف هذا "الاكتشاف الكبير" وترديده، وكأن ما جرى مجرد غيمة صيف ضلت طريقها.

المفارقة أن هذا "الحدث العارض" يقرأه كل العالم، دول ودوائر سياسية ومراكز دراسات… بانه تحول استراتيجي خطير ومكلف في مسار الصراع اليمني والاقليمي وليس حادث سير يمكن تجاوزه بمحضر مختصر.

فأين "المركز القانوني للدولة" والسيادة… وأين الاستنفار السياسي والإعلامي؟

ذلك القاموس الضخم الذي فُتحت صفحاته كلها عندما تحركت القوات الجنوبية إلى حضرموت. يومها لم يكن هناك شيء "عارض"، وكانت صحراء حضرموت بيد قوات جنوبية حليفة، على ما يبدو، أكثر حساسية من باب المندب نفسه بيد انصار الله الخصم الكبير المشترك.

حينها شهدنا تحركات سياسية وضجيجاً إعلامياً غير مسبوق، واستنجاداً بالعالم، واتهامات مخجلة بالجملة، واستنفاراً لإعلام تنظيم الإخوان واللجنة الخاصة بكل قدراتها وامكاناتها واذرعها الاعلامية، وكذلك طيف من الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي. كأن المشهد يوحي بأن قوة غاشمة جاءت من خلف البحار لاحتلال جزء من البلاد، وليست قوات جنوبية تحركت داخل أرض جنوبية وفي ظرف يعرفه الجميع.

المملكة أعلنت يومها، بوضوح وحزم، لم نعد نسمع مثله الآن، أن ما يجري يمثل تهديداً مباشراً لأمنها. ليس هذا وحسب بل ان دول عربية اصدرت بيانات بناء على طلب سعودي وكأنها تدشن حرباً اقليمية…

أما اليوم، وأمام ما يحدث في الساحل الغربي وباب المندب، فقد تغيرت القواميس، وخفتت نبرة السيادة، وغاب "المركز القانوني" عن نشرات الأخبار، وكأن للأمن القومي درجات متفاوتة من الحساسية، ترتفع في صحراء حضرموت، ثم تنخفض فجأة عند باب المندب.

ألا يدعو كل ذلك إلى التعجب، بل إلى الذهول؟

هنا تتسع المسافة بين الرواية والواقع، وقد يتضح لاحقاً أن أحداث يناير، وما رافقها من هجوم سعودي كثيف يصعب تبريره استراتيجياً وسياسياً وأخلاقياً، لم تكن مجرد أزمة عابرة، وإنما درساً مكلفاً تتجلى نتائجه تباعاً. فلو بقيت القوات الجنوبية على حالها، لربما كان وضع الجنوب وجبهات الشمال اليوم أكثر تماسكاً.

المشكلة أن التحرك السعودي حينها لم يخدم، في نتائجه على الأقل، مصالحها الأمنية كما كان يفترض، بل كشف عن خلل في تقدير الأولويات. والخشية أن الدرس لم يُقرأ بعد، أو ربما قُرئ بالطريقة نفسها التي يصبح بها ما يجري في الساحل وباب المندب مجرد "حدث عارض".

والخطر اليوم أن تتكرر الوصفة، فتُرسل القوات الجنوبية إلى الجبهات، وتُملأ مدنها بقوات مرتبطة بتنظيمات سياسية مرفوضة شعبياً، بما يفتح جبهة توتر جديدة في الداخل، ويضيف إلى مخاطر الجبهات الخارجية أزمة كان يمكن تجنبها، وعندها لن يكون من السهل اختراع "حدث عارض" آخر لتفسير النتائج.

ومع كل ذلك، فاللحظة أخطر من أن تُستهلك في المناورات الإعلامية. ما تحتاجه المملكة اليوم مراجعة فورية وقاسية لحساباتها، فإدارة التحالفات لا تقوم على الأمر والنهي ولا على ترتيبات تقوي طرفاً بإضعاف آخر. التحالف الحقيقي يقوم على المصالح المتبادلة واحترام الحلفاء، لأن اختلال هذه المعادلة يقود إلى أخطاء في الحسابات والأخطاء تتحول إلى حقائق على الأرض، والمفارقات السياسية إلى أثمان استراتيجية مكلفة، وعندها لن تصلحها القواميس.
أحمـــــــــــدع