آخر تحديث :السبت - 13 أبريل 2024 - 04:51 م

من تاريخ عدن


قراصنة يخفون ثروة هائلة فيها.. ميون "الجزيرة المنسية" جنوب غرب عدن

الجمعة - 14 فبراير 2020 - 11:53 م بتوقيت عدن

قراصنة يخفون ثروة هائلة فيها.. ميون "الجزيرة المنسية" جنوب غرب عدن

عدن تايم / مادة خاصة

في مضيق باب المندب البوابة الرئيسية إلى الشرق والمدخل الجنوبي إلى البحر الأحمر تظهر لنا "جزيرة ميون" كالحارس الأمين يسير على هداها الطيارون وملاحو البواخر .. وقد كانت هذه الجزيرة الصغيرة مركزاً لقوات بريطانية في عام 1799م, وهي ذات موقع إستراتيجي هام .. وقد أتخذها من قبل نابليون بونابارت مركزاً لقواته, غير أن عدم توفر المياه العذبة فيها اضطرت القوات البريطانية إلى الانسحاب ثم عادت إليها لتحتلها مرة أخرى في عام 1857م .. ولما افتتحت قناة السويس في عام 1869م, وبات عندئذ البحر الأحمر خط ملاحي للدخول إلى الشرق, أصبحت جزيرة ميون ذات أهمية بالغة ومركزاً لتموين السفن بالفحم الحجري تماماً مثل عدن ..

أن جزيرة ميون تفخر بماض زاهر وإن كانت نائية, فقبل أكثر من ثمانين عاماً كانت هذه الجزيرة تمر عليها البواخر بين آن وآخر للتزود بالفحم الحجري وتعتبر من معالم البحر الأحمر الشهير .. ووطن لأكثر من مائتين أسرة تعيش على ظهر هذه الجزيرة .. وكل ما تبقى من محطة تموين السفن بالفحم في هذه الجزيرة هو أطلال المرافئ والمخازن .. ولم تعد تمر عليها السفن كعدن إلا تلك التي تأتيها شهرياً لتموينها بالمأكولات المعلبة والماء والحاجيات الضرورية ..

وعُرفت هذه الجزيرة عند العرب باسم "ميون" .. وتحكمها الإدارة الحكومية في عدن .. ولكنها عُرفت أيضاً باسم جزيرة "المُصافحة" لأن أهاليها يرحبون بالغريب بحرارة ولهم روح طيبة .. مُحبة لصداقة الناس وإكرامهم لا سيما الزوار الذين يزورون الجزيرة.

الخدمات الضرورية والطرقات اهم مشاكل الجزيرة

ولهذه الجزيرة مشاكلها الخاصة وأهمها الماء, والكهرباء, الطرقات, الخدمات الصحية والتعليم بالإضافة إلى مركز لاستخراج شهادات الميلاد والبطائق الشخصية التي يقطعون المسافات بحراً وبراً لاستخراجها من عدن .. وقد قامت محاولات عديدة في القدم لإيجاد الماء في الجزيرة ولكنها كلها باءت بالفشل الذريع, اللهم إلا كمية قليلة من الماء يمكن الحصول عليها من الجزيرة. وقد قُدم اقتراح لبناء وحدة لتقطير الماء وتحويله إلى ماء صالح للشرب كما عُرف في عدن باسم "ماء بمبه" ..

وكانت هذه الوحدة تُسّير بواسطة زيت الوقود, وقد شُيدت كثافتان تستطيعان أن تُقطر ستين طناً من الماء كل يوم لخزنها في خزانات تسع لـ 250 طناً من الماء .. وتحفظ كمية إضافية قدرها 120 طناً من الماء في ناقلة مائية صغيرة تبقى راسية خارج الميناء كاحتياط, ولكن وحدة التقطير تلك جار عليها الزمان وصارت خارج الخدمة .. وبقي الحال كذلك حتى أستقلت الجزيرة من بريطانيا وساءت أحوالها وأوضاعها حتى يومنا هذا, فلا وجود لخدمات أساسية تُذكر إلا ما يتم التبرع به من بعض المنظمات, ومن قبل إدارية مديرية المعلا, وهو شيء يسير لا يفي بالغرض بالمقارنة إلى ما تحتاجه الجزيرة.

وقد ظلت هذه الجزيرة واعدة .. يعيش أهاليها الطيبين على صيد الأسماك ويتمونون على احتياجاتهم من عدن التي يقاسون من أجلها .. وتعتبر جزيرة ميون النائية هلالية الشكل, وقد كانت تحرسها حامية من البوليس المُسلح, وعين حاكم عدن قاضياً لها .. وكانت تحتوي على ميناء متطور يبلغ طوله ميل ونصف الميل خارج الشاطئ العربي في مضيق باب المندب المعروف باسم "باب الدموع" .. أما عن تضاريس هذه الجزيرة الطبيعية فهي بركانية وتحتوي على سلسلة من الجبال تتصل بالبحر .. وأعلى قمة جبل في الجزيرة يبلغ ارتفاعه 245 قدم عن سطح البحر ..

بحار برتغالي اسماها بجزيرة الصليب الحقيقي

لم تحتل جزيرة ميون أي دولة بصفة مؤبدة باستثناء بريطانيا. أما "البوكرك" البحار البرتغالي فقد هبط فيها في عام 1513م, عند عودته من البحر الأحمر وأقام فيها صليباً في أعلى نقطة في الجزيرة وأسماها "جزيرة الصليب الحقيقي" .. ولكنها عُرفت في التاريخ القديم, وذلك عندما ذكرها مؤلف مجلد "البريبلس" وهو عبارة عن كتاب يرشد البحارة إلى مياه البحر الأحمر وموانئه وجزره, وقد كتب عنها في بداية أعوام العصر الميلادي ولقبها بجزيرة "ديودورس" وهو البحار اليوناني الذي أكتشفها قبل بضعة قرون..

قراصنة يخفون ثروة هائلة في ميون


وفي الفترة الأخيرة من العصور الوسطى أحتل ميون جماعة من القراصنة الذين كانوا يجوبون مدخل البحر الأحمر لغرض القرصنة والنهب والسلب .. و روي عنهم أنهم أخفوا في هذه الجزيرة ثروة طائلة كانوا قد نهبوها من البواخر التي كانت تحمل البضائع من وإلى الهند وأوروبا..

بريطانيا احتلتها مرتين بسبب نذرة المياه العذبة

وفي عام 1799م, جاء الإنجليز واحتلوا الجزيرة .. ولكنها أهملت فيما بعد كما أهملها البرتغاليون, وذلك نظراً لندرة وجود الماء الصالح للشرب فيها .. ونظراً لزيادة عدد البواخر المارة في البحر الأحمر .. فقد رأت الحكومة البريطانية في الهند في تلك الفترة على احتلال هذه الجزيرة مرة أخرى وبنوا فيها "فناراً" يرشد السفن ولا سيما أنها تقع في مدخل المضايق في البحر الأحمر .. بالإضافة إلى فندقاً ومقر للحاكم واستراحة خاصة للملاحين البريطانيين والأوروبيين الذين يتزودون بالفحم الحجري لسفنهم من الجزيرة ومبنى مُصغر كان يُستخدم كمحكمة .. وقد بدأ العمل في بناء الفنار في عام 1857م وتم الانتهاء منه والبدء بتشغيله في عام 1861م, ولازال يعمل بشكل ممتاز حتى يومنا هذا يرشد السفن وهي تبحر عباب البحر الأحمر..

استفتاء بريطاني لسكان الجزيرة قوبل بالرفض

لم ترغب بريطانيا في ترك الجزيرة حتى بعد صدور قرار الأمم المتحدة بتصفية الاستعمار الذي قضى بإعطاء عدن استقلالها عام 1967م, فقد سعى الإنجليز عبر الأمم المتحدة وقدموا طلب خاص بعمل استفتاء لسكان الجزيرة ما إذا يرغبون في بقائهم تحت حكم التاج البريطاني, ولكن ذلك الطلب جوبه بالرفض من قبلها, وأيضاً من قبل سكان الجزيرة..

وأثناء رحلتي الأخيرة إلى تلك الجزيرة النائية التي لازالت تقف كحارس أمين لبوابة الشرق .. ولكن هذا الحارس بدء لي كرجل طغت عليه مظاهر الشيخوخة واشتعل الرأس شيبا وهده التعب والسقم مع مرور كل تلك السنوات من الإهمال التي بلغت أكثر من خمسين عام لم يلتفت عليه أحد أو يمد له يد العون .. ولم يبقى في تلك الجزيرة بقايا أطلال فترة ازدهارها التي يعيش سكانها على ذكراها ..

*بحث وإعداد وترجمة / بلال غلام حسين