آخر تحديث :الثلاثاء - 26 مايو 2026 - 07:31 م

كتابات


عقوبة الاغتصاب في القانون اليمني

الثلاثاء - 04 أكتوبر 2022 - 08:35 م بتوقيت عدن

عقوبة الاغتصاب في القانون اليمني

المستشار/ صالح المرفدي*

عقوب الاغتصاب  في  لقانون اليمني

عقوبتان لجريمة الإغتصاب وتساؤلات هامة

المستشار/ صالح المرفدي

#تمهيد:
بشكلٍ دائم تتعالى صيحات وانتقادات أفراد المجتمع اليمني، والمدافعين عن منظمات حقوق الإنسان، والاعلاميين والصحفيين، وناشطي مواقع التواصل الاجتماعي، عند صدور احكام قضائية في جرائم الاغتصاب في اليمن، وتتركز هذة الانتقادات، حول تفاهة وبساطة عقوبة الاغتصاب التي تصدرها المحاكم اليمنية.

وحتى تتضح الاسباب، ينبغي علينا التأكيد أن عمل القاضي السليم، دائما ما يكون مرتبطا بالالتزام بتطبيق النصوص القانونية بصفة عامه، لأي قضايا منظورة امامه، ويكون التزامه أكثر صرامة، اذا كانت تلك النصوص "عقابية"، تطبيقا لأهم مبدأ من مبادى التجريم والعقاب والمتمثل بقوله: (لا جريمه ولا عقوبة الا بنص قانوني).

ومن هذا المنطلق، كان علينا اظهار العيب والخلل في النص القانوني اليمني، بشأن جريمة الاغتصاب وعقوبتها المقررة، بالمقارنة مع التشريعات العربية المشددة لعقوبة هذة الجريمة، والتي تصل لحد السجن المؤبد على أقل تقدير، أو الاعدام كعقاب مشدد.

# النص القانوني:
نصّت الماده(269) عقوبات يمني بالاتي: "متى سقط الحد الشرعي لسبب من الاسباب المقررة، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سبع سنين، كل من اعتدى بالاغتصاب على اي شخص، ذكرا كان او انثى بدون رضاه، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على عشر سنين، اذا ارتكب الجريمة شخصان فاكثر، او كان الجاني من المتولين الاشراف على المجني عليه، او حمايته، او تربيته، او حراسته، او معالجته، او اصيب المجني عليه بسبب الحادث، بضرر جسيم في بدنه او صحته، او حملت المجني عليها بسبب الجريمة، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تجاوز خمس عشرة سنة، اذا كان سن المجني عليها لم تبلغ الرابعة عشرة، او تسبب عن الفعل انتحار المجني عليها، ويعد اغتصابا كل إيلاج جنسي جرى ارتكابه على شخص الغير، ذكرا كان او انثى بدون رضاه".

# شرح النص العقابي:
يتضح من خلال هذا النص، أن لجريمة الاغتصاب عقوبتان:
- العقوبة الاولى شرعية
ويجب فيها تطبيق العقوبة الشرعية، اذا توافرت اركانها وشروطها الشرعية بدقّة، فاذا تعذر تطبيقها لأي سبب من الأسباب الشرعية، يتم الانتقال لتطبيق العقوبة القانونية التعزيرية، فالعقوبه الشرعية هي عقوبة مماثلة ومطابقة لجريمة الزنا الرضائية، وهي الجلد مائة جلدة، للزاني البكر (الغير متزوج)، والرجم حتى الموت، للزاني المُحصن (المتزوج).
ومن المعروف، اذا ارادت المحكمه تطبيق هذه العقوبه الشرعيه على الجاني المغتصب، يجب عليها أن تتحقق من ثبوتها بالادله الشرعيه القاطعة الصريحة، عملا بحديث الرسول الأكرم: "إدرءوا الحدود بالشبهات"، وحيث أن الشرع، حصر إثبات عقوبة الاغتصاب الشرعيه بشهادة أربعة شهود عدول شاهدوا "دخول الميل في المكحلة"، أو إقرار المغتصب الصريح والقاطع، دون ضغط أو اكراه.. فان الإثبات عقلا ومنطقا وبهذه الطريقة، يصل الى درجة الصعوبة البالغة، هذا إن لم يكن مقاربا لدرجة الاستحالة.. فلا يعقل أن يشاهد أربعة شهود، تحقق الركن المادي لجريمة الاغتصاب، (دخول ذكر الرجل في فرج أو دُبر المجني عليها او عليه)، كذلك من غير المتصور، أن يقرّ الجاني المُغتصب بفعل الاغتصاب، وان يستمر اقرارة الصريح والقاطع بالفعل الى حين لحظة تطبيق الحكم!!  مع العلم، أن هذا الشرط وجوبي لتنفيذ حدّ الزنى باكراه على الجاني المُغتصب. وبعبارة أوضح، قد يقرّ الجاني امام جهات البحث والتحري، ثم يتراجع امام النيابه، أو أن يقر امام النيابه، ثم يتراجع عن إقراره امام المحكمة الابتدائيه، وهكذا... وفي كل الاحوال، يحق للجاني أن يتراجع بإقراره الى ما قبل لحظة تنفيذ الحكم تماما.

وعلى هذا الأساس، فأن شروط تحقق إقرار ألجاني المُغتصب، أمراً صعبا للغاية، إن لم يكن شبه مستحيل!! علاوة على ذلك، فإن المشرّع اليمني وضع شروط وضوابط أخرى، في قانون الإثبات من الصعب توافرها كدليل لاقامة الحد الشرعي، كما نص على مسقطات للحد الشرعي في قانون الجرائم والعقوبات اليمني من السهل تحققها لاسقاط تطبيق العقوبة الشرعيه على الجاني في جريمة الاغتصاب.

# تساؤلات هامة
بالعوده الى الفقرة الاولى من النص القانوني السالف الذكر، والذي أشار صراحة:"متى سقط الحد الشرعي لسبب من الاسباب المقررة يعاقب… الى أخر الماده"، تبرز عدة تساؤلات أهمها: في حال إقرار الجاني المغتصب البكر بالجريمه، (واكرر المغتصب البكر) في كل مراحل الدعوى الجنائية، امام البحث والنيابة والمحاكم بدرجاتها الثلاث، وكذلك أثناء تنفيذ الحكم، واصراره على الإقرار بالجريمة.. هل ستطبق عليه عقوبة الجلد فقط، أم سيتم تطبيق العقوبه التعزيرية من المادة المذكوره سلفا؟؟!! أم انه سيتم الجمع بين العقوبة الشرعيه والعقوبة التعزية الواردة في هذه المادة (٢٦٩)؟؟ وسنجيب على هذة التساؤلات في التوصيات.

- العقوبة الثانية قانونية تعزيرية
وهي العقوبة القانونية التعزيرية، ومن الواضح انه لا يجوز تطبيقها، الا في حال تعذّر تطبيق العقوبة الشرعية، حتى أن العقوبة القانونية في القانون اليمني، أقلّ عقوبة بالمقارنه مع عقوبة الاغتصاب في التشريعات العربية، ولكم أن تتخيلوا أن العقوبة القانونية في اليمن تنص على الاتي:
- العقوبه البسيطة: وهي الحبس مده لاتزيد عن سبع سنوات، وفيها يجيز القانون أن تكون عقوبة المغتصب مدة شهر فقط؛ طالما أن الحد الادنى، يسمح للقاضي أن يطبّق عقوبة الحبس ولو بمدة ٢٤ ساعه.
- العقوبه المشددة: وتتحقق على عدة ظروف هي:
(أ) الحبس من سنتين الى عشر سنوات، اذا تحققت الظروف الاتية :
- اذا كان الجناة اكثر من شخص.
-اذا كان الجاني على صلة بالمجني عليها او عليه، كان يكون مشرفا، او مربيا، او حارسا، او معالجا للمجني عليها او عليه.
- اذا أصيبت المجني عليها او عليه ، بضرر جسيم من جراء فعل الاغتصاب.
- اذا ادّى الاغتصاب الى حمل المجني عليها.
(ب) الحبس مدة لاتقل عن ثلاث سنوات ولاتزيد عن خمسة عشر سنه، في حال تحقق الظروف الاتية:
- اذا كان سن المجني عليها، اقل من أربعة عشر سنه.
- اذا تسبب الفعل، بانتحار المجني عليها.
هذا في الاجمال عقوبة الاغتصاب في القانون اليمني بشكل مفصّل لمن اراد ان يعلم أو يفهم!!!

# التوصيات
المتأمل لعبارة (متى سقط الحدّ الشرعي)، يتضح في الاجمال أن الخلل في النص القانوني اليمني، فالمشرّع اراد أن يطبق العقوبة الشرعيه أولا، فاذا سقطت هذه العقوبة لأي سبب من الاسباب الشرعية (وما اكثرها وما اسهلها!)، يتم الانتقال لتطبيق العقوبة القانونية، وهذا الأمر لا يوجد فيه اشكال بالنسبه للجاني المغتصب المُحصن (المتزوج)، لان عقوبته رادعه (الرجم حتى الموت)، اما بالنسبة للمغتصب (البكر)؛ ولأن عقوبته بسيطة بالجلد فقط، كان ولا بد أن تكون هناك عقوبة تعزيرية أساسيه، تُجمع مع عقوبة الجلد، لا أن تكون عقوبة بديله للعقوبة الشرعيه؛ لأن المُغتصب البكر، بالأمكان أن يتمسك باعترافه بجريمة الاغتصاب؛ لكي تطبّق عليه العقوبه الشرعيه، في حين لا يجوز أن نطبّق عليه العقوبة التعزيرية بالحبس بأي مدة كانت؛ لأن العقوبة الشرعيه في حال تطبيقها، تسقط العقوبه القانونية التعزيرية، ولا يجوز الجمع بينهما، كما هو في نص المادتين (٢٦٣ و ٢٦٤ عقوبات)، والتي اجازتا الجمع بين العقوبة الشرعية والعقوبة القانونية التعزيرية، على عكس المادة (٢٦٩ عقوبات) موضوع بحثنا، والتي تسقط عقوبة كل منهما الاخرى.. وتاسيسًا على ذلك نهيب ونوصي وندعوا المشرّع اليمني بالاتي:
١- فيما يتعلق بالعقوبة الشرعيه، النص صراحة على عقاب المُغتصب (البكر)، بعقوبة تعزيرية الى جانب الجلد كعقوبة شرعيه.
٢- النص على العقوبة الشرعيه صراحة، بالدية أو الارش في جرائم الاغتصاب بشكل خاص؛ لأن الاغتصاب اعتداء جنسي عنيف وشنيع وبشع، ودائما مايتم بالقوة والاكراه، وينتج عنه اضرار في جسد المجني عليها او عليه، وقد يؤدي هذا الاعتداء الى جروح واصابات جسيمه، أو نزيف، أو تهتك، فكان على المشرّع النص صراحة بالعبارة الاتيه: (دون الاخلال بعقوبة الدية او الارش على حسب الاحوال، اذا ترتب على الإيلاج الجنسي ما يقتضي ذلك)، فقد تكون نتائج الاغتصاب أكثر ضررًا، ولا ينحصر الامر على فقدان المرأه لغشاء بكارتها، بل قد يمتد الضرر الى أن تفقد منفعة سلس البول، أو حاجز مابين السبيلين، أو ان يفقد المجني عليه منفعه سلس الغائط (البراز)، ونحو ذلك… وكل ما ذكر من جروح واصابات جسيمة، أو فقدان منفعه احدى الاعضاء المذكورة، يقتضي الامر وجوبا وشرعا، تطبيق عقوبة الاروش والديات المقرره، لاسيما اذا كانوا الجناة متعددين.. فكيف فاتت هذة الهفوة على المشرّع اليمني؟؟!!
٣- فيما يتعلق بالعقوبة القانونية التعزيرية، نوصي ونهيب بالمشرّع اليمني، بتشديد العقاب، واضافة ظروف مشددة اخرى، وفقا للتفصيل الاتي:
أ- تشديد العقوبه البسيطة في جريمة الاغتصاب، بالحبس مده لاتقل عن خمس سنوات ولاتزيد عن خمسة عشر سنة.. وهذا في حال ارتكاب الاغتصاب المُجرّد، الغير مقترن بالظروف المشددة.
ب- تشديد العقوبة، بالحبس مده لاتقل عن خمسة عشر سنه، او الاعدام في حال انتحار، او إصابة المجني عليها او عليه، بضرر جسيم، او افضى الاغتصاب الى تمزق غشاء بكارة  المجني عليها، او كانت حاملً، او كان سنهما اقل من ثمانية عشر سنه، او ارتكبت الجريمه في دور العباده.
ج- تشديد العقوبة بالإعدام، في حال ارتكاب الجريمة من عدة جناة، او ادّى الاغتصاب الى حملّ المجني عليها، اوكان الجاني، قريبا، او مربيا، او حارسا، او مشرفا، او معالجا، إلى آخره…  وبعبارة ملخصه: (من منحت له الثقه وأخلّ بها)، او افضى الاغتصاب الى وفاة المجني عليها او عليه، او كان سنهما أقل من اثنى عشر سنه، او كانا مصابين بعجز بدني او عقلي.

#الجدير بالإشارة:
ان هذه التوصيات تقتضي اولا، تعديل النص العقابي العام (م ٣٩)، الذي يحدد عقوبة الحبس مدة لاتزيد عن عشر سنوات، وتعديلها بمدّ الحبس الى خمسة وعشرين سنه؛ لكي تنسجم مع المطالبة بتمديد فترات الحبس لبعض الجرائم، لاسيما الاغتصاب؛ وذلك للحدّ قدر الامكان، من انتشار الجريمة بصورة ملفتة في اليمن، لاسيما وان الاغتصاب من الجرائم ذات الأرقام الغامضة في تعدادها، خوفا من انتشار الفضيحة، في حال اكتشافها والإبلاغ عنها.

هذا والله اعلم.. وهو الموفق للصواب.

المستشار/ صالح المرفدي
            قاض محكمة نقض
باحث دكتوراه القانون  الجنائي
         جامعة عين شمس