آخر تحديث :الأحد - 05 أبريل 2026 - 03:02 ص

عرب وعالم


هكذا تصنع المقاومة فرسانها في غزة

الجمعة - 11 أكتوبر 2024 - 09:00 م بتوقيت عدن

هكذا تصنع المقاومة فرسانها في غزة

عدن تايم/متابعات:

من جانب المحراب يبدأ سيرنا، يلخص هذا الشطر الأثير في أدبيات الإسلاميين جزءا أساسيا من البناء الفكري والروحي لدى حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وبالأحرى أهم مرتكزات الاستدامة للفعل الجهادي في هذه الحركة التي تمد أشرعة قوتها في أرجاء فلسطين منذ أكثر من 30 سنة.


وفي الطريق إلى الشهادة أو النصر، يأخذ المقاتلون الحمساويون زادا من القرآن الذين يرون فيه مصدر راحة وسعادة، ووقود عزيمة، وحرز حماية، ومدد نصر، ومن المسجد تبدأ الرحلة وإليه تعود.


وإذا كان عام كامل من اللهب قد جرف مساجد كثيرة من أساساتها، وأحال منائرها هشيما تذروه لافحات اللهب وراجمات الموت، فإن المقاومين في غزة مستبشرون دائما بأن لهم حصنا لا يمكن اختراقه، إنه القرآن وهمسات التسابيح في رفيف السحر، وركعات الليل، وأشواق الشهادة.


ووفق ما هو متداول في أكثر من دراسة ومقال فإن "الحالة الدينية" في غزة، هي أكبر أسلحة المقاومة، وأكثرها قدرة على الاستدامة، وقد تحولت من سلوك روحي فرداني إلى نسيج مجتمعي غير قابل للاختراق.


إرث القسام ومحراب الياسين

أسس الشيخ عز الدين القسام جانبا كبيرا من قوة الكتائب المقاومة التي التفت حوله في عشرينيات القرن المنصرم على فكرة الولاء العميق للإسلام والقرآن، وعمق التربية الدينية، وهو ما مكنه من الوصول إلى القلوب والتأثير على العقول، ليصبح جامعه الأكثر استقطابا للمصلين في فلسطين، وخطبه الأقدر على تحريك المشاعر والأصابع على الزناد.


وقد تعددت الواجهات التي عمل فيها عز الدين القسام، من خطابة ودعوة وتعليم، وأعمال اجتماعية مختلفة، وهو ما مكنه من الاتصال بكل طبقات المجتمع وكل فئاته، وفي كل قلب قد ضرب بسهم من دعوته، وفكرته من انتشار مجتمعي.


ولم يكن استشهاد الشيخ القسام إلا جزءا من ترسيخ هوية الشهادة ودورها في استنهاض الهمم من أجل التحرير، رغم صعوبة المواجهة، والبون الشاسع بين الكفتين.


ورغم مرور قرابة التسعين عاما على رحيل عز الدين القسام، فإن روح فكرته وسريان دعوته، وعمق منهجه التنظيمي ترسخ أكثر في فكر الأجيال اللاحقة، وخصوصا تلك التي حملت من بعده لقبه، ورفعت السلاح للثأر من قتلته، وليأخذ الراية من بعده بعقود الشيخ أحمد ياسين، الذي يعتبره الكثيرون -معتمدين على شواهد الحياة وترانيم الموت- المؤسس الثاني للمقاومة الفلسطينية بعد شيخها الأول عز الدين القسام.

المساجد.. السكينة التي أنجبت الانتفاضات

ليس من المستغرب أن تكون الانتفاضة الأولى في التاريخ الفلسطيني الحديث، والتي اندلعت في الثامن من ديسمبر/كانون أول 1987، وعرفت بانتفاضة الحجارة، سميت أيضا بانتفاضة المساجد، لأنها انطلقت من رحاب المساجد، وكانت مكبرات الصوت في المساجد لسان الانتفاضة الأعلى دعوة وتحشيدا، وكانت باحات المساجد المنطلق والمآب لشباب الحجارة.


بل أكثر من ذلك خرج قرار الانتفاضة أصلا من المسجد، وفق ما أكده الشهيد الشيخ أحمد ياسين في برنامج شاهد على العصر، حيث جاءت الانتفاضة بتخطيط وتنفيذ من تلاميذ الياسين، ردا على مجزرة وقعت في 8 ديسمبر/كانون الأول 1987، وقتل فيها 4 عمّال على حاجز بيت حانون "إيريز" شمال قطاع غزة، لتكون ردة الفعل في انتفاضة ألهبتها الحجارة وقنابل المولوتوف اليدوية الصنع.


كتب الياسين بيان الانتفاضة، وسرت الثقافة الدينية والأدبية للشيخ الشهيد، حيث ضمن البيان شطر بيت للمتنبي: "أنا الغريق فما خوفي من البلل"، لتندلع إثر ذلك ثورة الحجارة والمساجد والتي سرعان ما انتشرت في أرجاء فلسطين وهزت الاحتلال بشكل قوي.


وكما كانت مساجد غزة مبتدأ الانتفاضة الأولى ومنطلقها، فقد كانت نقطة التجميع الأساسية للمشاركين في طوفان الأقصى، وفقا لتقرير حصري لصحيفة الغارديان البريطانية أفاد أن أولى الأوامر التي صدرت لهم كانت قبل الساعة الرابعة فجرا، ونصت على أنه "يجب على أي شخص كان يحضر الدورات التدريبية العادية ولم يكن يخطط لحضور صلاة الفجر في مساجده المعتادة أن يذهب للصلاة".


ولم تقطع فترات الهدوء أو الخمود علاقة النضال الفلسطيني بالمساجد، بل رسخت مركزية المحراب، وجعلت خريجي المساجد ساعد فلسطين الأقوى وصوتها المزلزل.


إعلان

القائد الأول للقسام.. النشأة في ظلال المساجد

تتحدث معظم الكتابات التي تتناول سير قادة المقاومة وعناصرها البارزة إلى ارتباطهم بالمساجد، كما تظهر المعلومات التي نشرتها كتائب عز الدين القسام عن أول قائد لها وهو الشهيد ياسر النمروطي (أبو معاذ)، الذي نشأ في ظلال المساجد، وعاش من أجلها، حمامة مسجد، قبل أن يكون أسد ميدان وقائد قوة ضاربة.


وضمن تقرير مطول نشرته مجلة الميدان الصادرة عن كتائب القسام، عن أبي معاذ خصصت فقرة منه لعلاقته بالمساجد ودورها في تكوينه الروحي تحت عنوان "في ظلال المساجد"، جاء فيها: "أبو معاذ" الذي ولد قبيل النكسة بثلاثة أعوام في مخيم خانيونس للاجئين، كان شاهداً على إجرام المحتلين وسياساتهم تجاه شعبنا، الأمر الذي جعله يتوق إلى ذلك اليوم الذي يشتد فيه عوده ليصبح قادراً على حمل السلاح، ويحارب العدو الذي هجر أجداده عام النكبة، ونكّل بهم بعد النكسة.


وكعادة الأبطال الذين مروا على فلسطين واحتفت بهم الملائكة في عليين، فقد بدأت علاقة أبي معاذ بالمسجد منذ صغره، فهو من كان يذهب لأداء الصلوات الخمس جماعة وخاصة صلاة الفجر في مسجد الإمام الشافعي بخان يونس حيث بدأت مسيرة العمل الدعوي، كما شارك إخوانه في جميع أنشطة المسجد الدعوية والأعمال التطوعية وكذلك الأنشطة الرياضية والثقافية ومسابقات حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم مضى في معاهد التعليم المهني ينشر رسالة حركة حماس وينظر لها.


لم يلبث كثيراً القائد أبو معاذ في عمله الدعوي حتى انخرط في العمل الأمني لحماس مع بداية تأسيس الجهاز الأمني لها "مجد" قبيل الانتفاضة، فكان أحب الأيام إليه ذاك اليوم الذي كلفه فيه المجاهد يحيى السنوار مؤسس منظمة الجهاد والدعوة (مجد) بتشكيل خلية أمنية في معسكر خان يونس لتؤدي واجبها في ملاحقة العملاء، وقد اختير للعمل في مهمات خاصة ضد العملاء وضد العدو".

مساجد غزة.. نصر وعزة

وإلى جانب أبي معاذ ومن قبله ومن بعده، كانت العلاقة مع المسجد "السر الذي لا يخيب" في تربية وصناعة القادة والفدائيين كما يؤكد ذلك عدد من قادة المقاومة ورجالها.


ويمثل الرئيس الحالي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) يحيى السنوار نموذجا للرعيل الذي ربته مدرسة الشهيد أحمد ياسين في المجمع الإسلامي الذي ظل ينظر إليه الاحتلال الإسرائيلي بكثير من الحذر والحقد والحنق، ومع ذلك ظل المجمع الإسلامي يتقدم ويتوسع، وينمو ويتطور.