في خضم الضجيج الإعلامي المتصاعد، وحملات التحريض المتبادلة التي تُدار من خلف الكواليس، يبرز سؤال جوهري لا يمكن القفز عليه: هل ما يحدث بين السعودية والإمارات خلافٌ حقيقي نابع من تباين المصالح، أم أنه نتيجة مخطط أكبر يُدار بعناية لضرب واحدة من أقوى العلاقات الاستراتيجية في المنطقة؟
يقول المثل الشعبي: «المغراء يقتل أبوه»، وهو توصيف دقيق لحال بعض الحملات التي تُغذّى بالإشاعات والأكاذيب، وتُروَّج بوعي كامل بزيفها، بهدف شيطنة طرف على حساب آخر، وزرع الفتنة بين دولتين شكّل تحالفهما نموذجًا نادرًا للتكامل السياسي والاقتصادي والعسكري في العالم العربي.
العلاقة التي جمعت بين الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد لم تكن مجرد تنسيق سياسي عابر، بل شراكة استراتيجية عميقة أفضت إلى مشاريع عملاقة، ورؤى تنموية غير مسبوقة، تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، والتحول من دول تعتمد على الاستيراد إلى دول منتجة ومصدّرة، وقادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
هذا التحول لم يكن محل ترحيب لدى القوى الكبرى، ولا لدى الشركات العالمية العملاقة التي اعتادت على أن تكون الأسواق الخليجية زبونًا دائمًا لمنتجاتها لعقود طويلة. فنجاح دول الخليج في بناء صناعاتها، وتأمين غذائها، وتطوير تقنياتها، يعني خسائر فادحة لتلك المصالح، ويعني اختلال ميزان النفوذ الذي طالما بُني على التبعية الاقتصادية والسياسية.
لسنوات، جرى ترسيخ صورة دول الخليج ككيانات صغيرة، محدودة القرار، تعتمد في أمنها واقتصادها على الولايات المتحدة والغرب. لكن الواقع تغيّر. قيادات شابة، تمتلك رؤية وجرأة، أعادت صياغة المعادلة، وحوّلت تلك الدول إلى قوى إقليمية صاعدة، تمتلك قرارها، وتبني تحالفاتها، وتفرض شروطها، بعد أن كانت الشروط تُفرض عليها.
أمام هذا المشهد، لم تجد بعض القوى الدولية خيارًا سوى محاولة إرباك هذه الدول من الداخل، عبر تأجيج الخلافات، وتضخيم التباينات، وخلق أجواء من عدم الثقة، أملاً في استنزافها اقتصاديًا، وتعطيل مشاريعها الاستراتيجية، وإشغالها بصراعات جانبية تُبعدها عن أهدافها الكبرى.
وهنا تبرز خطورة ما يُعرف بـ«مشروع الشرق الأوسط الجديد»، الذي لا يستهدف دولة بعينها، بل يقوم على تفكيك المنطقة، دولةً تلو الأخرى، بدءًا من الأضعف، وصولًا إلى الأقوى. ودول الخليج، مهما بلغت قوتها، لن تكون بمنأى عن هذا المشروع إذا ما استمرت الخلافات واستُنزفت الطاقات.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة: متى ستدرك السعودية والإمارات أن ما يجري ليس سوى لعبة دولية قذرة، وأن الخاسر الوحيد منها هو الاستقرار الإقليمي، والمستقبل التنموي، والسيادة الوطنية؟
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على كسب معركة إعلامية، بل على الوعي، وإعادة قراءة المشهد بعمق، وإدراك أن وحدة المصالح أقوى من كل محاولات التفريق، وأن ما يجمع الرياض وأبوظبي أكبر بكثير مما يحاول الآخرون زرعه من خلافات.
الصحفي صالح حقروص
2026/1/14م