يمثل قرار تعيين الأستاذ عبدالرحمن شيخ اليافعي وزيراً للدولة محافظاً للعاصمة عدن، نقطة تحول جوهرية في مسار الإدارة المحلية للمدينة، حيث جاء هذا القرار ليعكس رغبة حقيقية في ضخ دماء قيادية تمتلك رصيداً ميدانياً وسياسياً متراكماً.
وولد المحافظ الجديد في عام 1975م، وينتمي جغرافياً واجتماعياً إلى مديرية سباح في يافع التابعة لمحافظة أبين، وهي المنطقة التي عُرفت برفدها للمشهد الوطني بكوادر تتسم بالصلابة والقدرة على مواجهة التحديات الكبرى، مما يمنحه خلفية اجتماعية قوية تدعم تحركاته الرسمية.
وبرز اسم عبدالرحمن شيخ كواحد من الوجوه الفاعلة في المشهد الجنوبي منذ عام 2015، حيث كان له حضور لافت ومؤثر إبان الغزو الحوثي لعدن، وقد تجلى دوره من خلال انخراطه المباشر في صفوف المقاومة الجنوبية التي خاضت معارك الشرف والكرامة لتحرير المدينة، و لم تكن مجرد مشاركة عسكرية عابرة، بل كان تأسيساً لشرعية نضالية جعلته قريباً من تطلعات الشارع، ومدركاً لتفاصيل الجغرافيا الأمنية والاجتماعية للعاصمة عدن، وهو ما يفسر القبول الذي يحظى به في أوساط المكونات المختلفة.
واستندت مسيرة شيخ قبل وصوله إلى هرم السلطة المحلية في عدن إلى خبرة إدارية عملية، حيث شغل سابقاً منصب وكيل محافظة عدن، وهو الموقع الذي أتاح له فرصة التعامل المباشر مع الملفات الخدمية المعقدة ومعايشة الأزمات المتلاحقة التي مرت بها المدينة، لتوفر هذه التجربة الإدارية له فهماً عميقاً لآليات العمل داخل مكاتب السلطة المحلية، وجعلته على دراية بالثغرات التي تعيق التنمية، مما يمنحه ميزة البدء من حيث انتهى الآخرون بعيداً عن مرحلة التجربة والخطأ.
وعلى الصعيد السياسي، يُعد عبدالرحمن شيخ رقماً صعباً في المعادلة الوطنية، إذ ارتبط اسمه بالنشاط السياسي المؤسسي، وكان حاضراً في أهم المنعطفات التفاوضية، بما في ذلك مشاورات الرياض، وغيرها، في انخراط سياسي رفيع المستوى مكنه من بناء جسور تواصل مع القوى الإقليمية والدولية، مما يعزز من قدرته اليوم على جلب الدعم السياسي، والاقتصادي الدولي والخليجي لعدن، وتوظيف علاقاته الواسعة لخدمة الاستقرار في المحافظة بعيداً عن الاستقطابات الحادة.
ويُنسب للمحافظ شيخ دور محوري في هندسة الملف الأمني بالجنوب، حيث كان من الركائز الأساسية التي ساهمت في تأسيس قوات الحزام الأمني وألوية الدعم والإسناد في محافظتي عدن ولحج، في دور سعى من خلاله لتنظيم العمل العسكري المحلي وضبط الأمن و كان يهدف بالأساس إلى إيجاد مؤسسة أمنية قادرة على ملء الفراغ الذي خلفته الحرب، وهو الأمر الذي أكسبه هيبة في الأوساط العسكرية وقدرة على ضبط الإيقاع الأمني بحكمة واتزان يراعي خصوصية المرحلة الحساسة، وبعيدًا عن الجنوب، فقد كان على رأس قوات دحرت الحوثيين على حدود المملكة العربية السعودية مما يجعله الرجل الذي تفضله الرياض ومما يساهم بخلق توازنات محلية في الجنوب بعيداً عن الفوضى.
ويتمتع عبدالرحمن شيخ بثقل اجتماعي واسع يتجاوز الحدود الجغرافية لمسقط رأسه، إذ يمتلك شبكة علاقات معقدة ومتينة مع مختلف القوى في عدن والمحافظات المجاورة، وهو ما يمنحه مرونة فائقة في إدارة الملفات الحساسة وهدوءاً نسبياً في معالجة النزاعات، وهذه السمة الشخصية والاجتماعية خاصة تعد ركيزة أساسية في قيادته للعاصمة عدن، المدينة التي تتطلب نوعاً خاصاً من القيادة القادرة على التوفيق بين المصالح المتباينة وإدارة التوازنات الاجتماعية بمهارة عالية.
وعبدالرحمن شيخ اليافعي في أولى خطواته العملية، وضع تثبيت الحالة الأمنية وتحسين الأوضاع المعيشية والخدمية للمواطنين كأولوية قصوى لا تقبل التأجيل، مشدداً في خطاباته الأولى على أن معيار النجاح لا يقاس بالتقارير الورقية بل برضا المواطن العدني وتلبية احتياجاته اليومية.
وأكد المحافظ في مداخلته عبر الفضائية اليمنية أن منهجيته في العمل ستعتمد على مبدأ الفريق المتجانس، حيث سيتم تفعيل دور الكوادر المتخصصة من مديري المديريات والوكلاء والمستشارين للعمل ضمن منظومة موحدة تهدف لمنع أي محاولات لزعزعة الأمن.
وأوضح أن الهدف الرئيسي من هذه التحركات هو بث الطمأنينة في نفوس المواطنين، خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها المدينة، مؤكداً أن العاصمة عدن لن تُجر مجدداً إلى مربعات الفوضى في ظل وجود سلطة واعية ومسؤولة.
وتتضمن مصفوفة الأولويات التي طرحها المحافظ خطة شاملة لا تقتصر على الأمن وحسب، بل تمتد لتشمل ضبط أسعار المواد الغذائية وضمان تدفق المشتقات النفطية، وهي القضايا التي تمس صميم حياة المواطن اليومية.
وكشف شيخ عن وجود خطة مزمنة للمرحلة المقبلة سيتم إشراك المجتمع فيها، لضمان وجود تفاعل شعبي يدعم قرارات السلطة المحلية، إيماناً منه بأن نجاح أي خطة تنموية يعتمد بالأساس على الشراكة الحقيقية بين المسؤول والمواطن.
ويرى المحافظ شيخ أن حجر الزاوية في صياغة أي سياسة مستقبلية يجب أن يكون احتياجات الناس، مؤكداً بكل صراحة أن أي إجراء لا يلامس متطلبات المواطن لن يجد مكاناً في أجندة السلطة المحلية الحالية، عاكسا رغبة في استعادة الثقة المفقودة بين الشارع والسلطة
واستشعر المحافظ شيخ عظمة المسؤولية الملقاة على عاتقه منذ اللحظة الأولى لتسلمه مهام عمله، حيث صرح بوضوح أن قرار تعيينه يضعه أمام تحدٍ كبير لاستنهاض عدن على كافة المستويات، بوعي كامل بحجم الآمال المعلقة عليه.
وفي لقاءاته مع الكوادر الإدارية، أكد أن العمل في المرحلة الحالية يتطلب تكاتفاً غير مسبوق، وأن الثقة التي نالها من القيادة السياسية هي تكليف لا تشريف، يستوجب العمل ليل نهار للنهوض بالمدينة من عثرتها.
وفي تصريحات نقلها وكيل محافظة عدن لقطاع الإعلام، الأستاذ/ محمد سعيد سالم، أكد المحافظ أنه لن يقصي أحداً من الكفاءات، وأن الباب مفتوح أمام الجميع لإثبات قدرتهم على العطاء والإخلاص في خدمة المدينة. في توجه شمولي يهدف إلى خلق بيئة عمل تتسع لجميع المخلصين، حيث يرى شيخ أن عدن بحاجة لكل جهد وطني صادق يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار، بعيداً عن الولاءات الضيقة والحسابات الشخصية.
ولم تخلُ تصريحات المحافظ من الحزم والصرامة، حيث وجه تحذيراً شديد اللهجة للخارجين عن القانون والمقصرين في أداء واجباتهم، مؤكداً أن المحاسبة ستكون هي الفيصل وفقاً للقانون والنظام، وفي بادرة أخلاقية وقيادية نادرة، وضع المحافظ نفسه تحت المساءلة القانونية قبل غيره، معلناً استعداده للمحاسبة إذا ما ثبت مخالفته للقانون، وهو ما يعكس نزاهة عالية وإيماناً مطلقاً بمبدأ الثواب والعقاب الذي يجب أن يسري على الجميع.
ودعا المحافظ المؤسسات الإعلامية والناشطين والسياسيين إلى إعادة صياغة الخطاب الإعلامي بما يخدم الاصطفاف الوطني وينبذ خطاب الكراهية الذي يغذي الصراعات البينية ويمزق النسيج الاجتماعي.
ويؤمن عبدالرحمن شيخ بأن الإعلام شريك أساسي في عملية البناء، وأن الوعي المجتمعي هو الحصن المنيع ضد الفوضى، لذا شدد على ضرورة أن يكون الخطاب الإعلامي مرآة للتنمية والتعايش، ومحفزاً للناس نحو التفاؤل والعمل.
أخيرًا، تظل العاصمة عدن، بتركيبتها الفريدة وتاريخها الضارب في القدم، بحاجة إلى هذا النوع من القيادات التي تجمع بين القوة واللين، وبين الحزم والمرونة، وهي الصفات التي يبدو أن المحافظ شيخ يحرص على تجسيدها في كل قراراته، ومع كل خطوة يخطوها نحو تثبيت الأمن وتحسين الخدمات، يزداد الأمل في أن تستعيد المدينة دورها كمنارة للمدنية والتجارة والسلام، وهو الهدف الأسمى الذي يتطلع إليه الجميع، وإن مشوار الألف ميل نحو استعادة مكانة عدن قد بدأ فعلياً بتولي عبدالرحمن شيخ دفة القيادة، والمسؤولية اليوم مشتركة بين السلطة والمجتمع والتحالف العربي لإنجاح هذه المهمة الوطنية الكبرى، و يبدو أن الحلم بعودة عدن كنموذج مشرف بات أقرب إلى التحقق من أي وقت مضى، لتبقى "العاصمة" هي القلب النابض لكل طموحات البناء والاستقرار في البلد.