آخر تحديث :السبت - 24 يناير 2026 - 12:43 ص

قضايا


المعلم بين الوعي الغائب والصوت المصادر

الجمعة - 23 يناير 2026 - 11:17 م بتوقيت عدن

المعلم بين الوعي الغائب والصوت المصادر

يمثل المعلم حجر الأساس في أي نهضة تعليمية أو مجتمعية، ولا يمكن اختزال دوره في كونه موظفًا ينتظر راتبًا شهريًا فحسب.


فالمعلم صاحب رسالة متعددة الأبعاد، تمس الإنسان والمجتمع والدولة، ومن هنا تنبع أهمية الوعي التربوي الشامل،القائم على المشاركة الواعية في جميع قضايا المعلمين:

الحقوقية، والمهنية، والفنية، والإدارية.


إن الوعي التربوي لا يُبنى على مطلب واحد معزول، ولا يتجزأ بحسب الظرف أو الحاجة. فالمعلم الواعي يدرك أن الدفاع عن حقوقه المالية لا ينفصل عن الدفاع عن مهنته، ولا عن جودة البيئة التعليمية التي يعمل فيها.

حين يغيب هذا الفهم المتكامل، يتحول النضال إلى ردود أفعال موسمية، لا تصنع إصلاحًا ولا تحمي المهنة.


لا خلاف على مشروعية المطالب الحقوقية، وفي مقدمتها الراتب العادل والضمانات المعيشية،لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما تُختزل كل قضايا المعلم في الجانب المالي فقط، وكأن التعليم وظيفة إدارية بلا رسالة، وبلا أثر إنساني أو مجتمعي.

هذا الاختزال يُضعف موقف المعلم، ويُفرغ قضيته من عمقها المهني.


فالقضايا المهنية والفنية والإدارية لا تقل أهمية عن القضايا المالية، بل تمس المعلم مباشرة:

تؤثر في أدائه داخل الصف

تحدد مسؤولياته والتزاماته الوظيفية

تنعكس على كرامته واستقراره المهني

إهمال هذه الملفات يفتح الباب أمام قرارات وتشريعات تُفرض لاحقًا دون نقاش مهني حقيقي، ثم يُطلب من المعلم التكيف معها كأمر واقع.


فحين يهمش النقاش المهني، أو ينظر إلى من يطرحه على أنه بعيد عن قضايا المعلمين، يغلق باب الحوار الواعي.

وعند تنفيذ القرارات لاحقا، يجد المعلم نفسه محاصرا بين مظلومية مالية من جهة، ومظلومية مهنية وإدارية من جهة أخرى، دون أن يكون شريكا في النقاش أو القرار.


وفي ظل غياب الصوت المهني المنظم، يعلو خطاب عفوي وغير مسؤول في وسائل التواصل الاجتماعي، يقوده بعض الباحثين عن الحضور أو الإثارة أو الشهرة . .

المشكلة ليست في وجود هذا الخطاب، فذلك طبيعي في فضاء مفتوح، بل في منحه الشرعية:

فنتابع، ونشارك، ونضخم، ثم نشتكي أنه يتحدث باسمنا، والأخطر أن هؤلاء يُقدَّمون لاحقا:

كمتحدثين عن المجتمع

وصوت للشارع

وممثلين للقطاعات والمؤسسات

لا لأنهم الأقوى، بل لأن أهل المهنة غائبون أو متفرقون أو صامتون!.


إن مشاركة المعلم، ولو بالكلمة والرأي المتزن، في القضايا الحقوقية والمهنية والفنية والإدارية،ليست ترفا، بل واجبا أخلاقيا ومهنيا.


فالصمت الطويل خطأ،لكن الضجيج غير الواعي خطأ أكبر.


إن التغيير لا يبدأ بالشتائم ولا بالتشهير أو التحريض لجهة معينة والذي يوجه بدافع سياسي أو مصالح شخصية ضيقة،بل بـ :

صوت مهني منظم

كتابة رصينة

خطاب ناضج

ووقوف جماعي مسؤول


حين يدرك المعلم أن كرامته لا يدافع عنها “مفسبك”، بل وعيه، وتنظيمه، وحضوره المهني الحقيقي، تبدأ أولى خطوات الإصلاح.


ما كُتب هنا ليس شكوى،بل دعوة صادقة لمراجعة الذات . . ومراجعة الذات هي البداية الحقيقية لأي تغيير.


نراهن على وعي المعلمين، باعتباره الضمانة الحقيقية لحماية كرامة المهنة، وانتزاع الحقوق، وتصحيح مسار التعليم بعيدا عن الفوضى والاستغلال.


أ. ماهر محمد سالم باهديلة