ما يجري اليوم ليس حدثاً عابراً، ولا مجرد كبوة سياسية يمكن تجاوزها ببيانات تبريرية أو مناورات تكتيكية. نحن أمام لحظة مفصلية تمس جوهر القضية الجنوبية، وتكشف بوضوح حجم الاختلالات البنيوية في أداء المجلس الانتقالي الجنوبي، وسوء تقديره لتعقيدات المشهد الإقليمي، واستخفافه بموازين القوة والتحالفات.
ولنكن واضحين منذ البداية، الشماتة بما يتعرض له المجلس الانتقالي خيانة سياسية وأخلاقية، لكنها في الوقت ذاته لا تعفيه من مسؤوليته المباشرة عمّا آلت إليه الأوضاع. فالأخطاء التي ارتُكبت لم تكن عارضة أو هامشية، بل أخطاء قاتلة، نتجت عن غياب الحصافة السياسية، وضعف الرؤية الاستراتيجية، وتغليب منطق الاندفاع والاستقواء اللحظي على حسابات السياسة بعيدة المدى، وهي أخطاء لا يمكن القفز عليها أو تجاوز تبعاتها.
إن الخطوات التي أقدم عليها المجلس الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة شكّلت استفزازاً مباشراً للمملكة العربية السعودية، بوصفها القوة القائدة للتحالف العربي، وصاحبة التأثير الأبرز في القرارين السياسي والعسكري المرتبطين بالملف اليمني. تجاهل ردّ الفعل السعودي لم يكن مجرد سوء تقدير، بل عكس وهماً خطيراً لدى قيادة المجلس بإمكانية فرض الوقائع بالقوة، دون تشاور أو غطاء إقليمي، وكأن الجنوب يتحرك في فراغ سياسي، أو خارج شبكة المصالح الإقليمية والدولية المحيطة به من كل اتجاه.
والأخطر من ذلك أن المجلس الانتقالي أخفق في بناء علاقة متوازنة مع دول التحالف العربي، علاقة تقوم على الندية النسبية، وعلى مسافة واحدة من الجميع، دون الزج بالقضية الجنوبية في صراعات إقليمية لا ناقة لها فيها ولا جمل. لقد أدى الانحياز غير المحسوب لهذا الطرف أو ذاك إلى تحويل القضية الجنوبية من قضية تحرر وطني إلى ورقة في بازار الخلافات داخل التحالف، وهو انزلاق لا يخدم إلا خصوم الجنوب، ويقوّض أي تعاطف إقليمي أو دولي مع حقه السياسي المشروع.
أما على الصعيد الداخلي، فالصورة لا تقل قتامة. فالمجلس الذي رفع شعاراً لمحاربة الفساد، انتهى إلى إعادة إنتاجه بصورة أكثر فجاجة. لم يفشل فقط في اجتثاث منظومات الفساد، بل وفر الحماية للفاسدين، وفتح لهم أبواب النفوذ، في مقابل إقصاء كثير من الشرفاء والمناضلين الحقيقيين. وهكذا تحوّل المجلس تدريجياً إلى سلطة موازية، لا تختلف في عللها وسلوكها عن السلطة التي ثار عليها الجنوبيون، إلا في الشعارات واللافتات.
كما أن فتح أبواب المجلس لعناصر قادمة من رحم السلطة الحاكمة والأحزاب اليمنية التقليدية، دون معايير وطنية صارمة، أدى إلى اختراق هيئاته ومفاصله، وإفراغه من روحه النضالية، وتحويله إلى كيان مثقل بالتناقضات، تحكمه المصالح والصفقات أكثر مما تحكمه البوصلة الوطنية.
وانطلاقاً من هذا الواقع المأزوم، فإن الخروج من المأزق الذي وضع المجلس الانتقالي نفسه فيه لم يعد خياراً مؤجلاً، بل بات ضرورة وجودية تستدعي تحليه بالشجاعة السياسية والأخلاقية. شجاعة تفرض عليه إعادة تجميع أوراقه السياسية والنضالية التي بعثرتها الأحداث الأخيرة، وإعادة قراءة المشهد السياسي الجنوبي المضطرب قراءة عميقة ومسؤولة، تفضي إلى مراجعة نقدية تحليلية شاملة لمسيرته السياسية والنضالية منذ تأسيسه، بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات.
وتقتضي هذه المراجعة أن يضع المجلس النقاط على حروف الحقيقة، وأن يخاطب جماهير شعبنا الجنوبي بقدر من الصراحة والوضوح، باعتبارها مصدر شرعيته السياسية والنضالية والتمثيلية، موضحاً مكامن الخطأ والصواب التي رافقت مسيرته، ومحدداً رؤيته السياسية والنضالية للمرحلة القادمة، في ظل التحديات والمخاطر الجسيمة التي تواجه القضية الجنوبية، وسبل الخروج منها في ظل بيئة سياسية شديدة التعقيد فرضتها التطورات والأحداث الأخيرة، والتي وضعت القضية الجنوبية في مأزق حقيقي.
ومع ذلك، فإن تحويل هذه الإخفاقات إلى دعوات لإسقاط المجلس أو دفنه سياسياً لا يقل خطورة عن الأخطاء نفسها. فالمجلس الانتقالي، بكل ما له وما عليه، لا يزال يمثل الإطار الأوسع للإرادة الشعبية الجنوبية، وإقصاؤه بالقوة أو بالمؤامرات لن يفضي إلا إلى تفتيت الصف الجنوبي، وإعادة إنتاج الفوضى، وفتح الأبواب أمام مشاريع معادية للقضية الجنوبية برمتها.
إننا أمام خطر وجودي حقيقي، لا يحتمل الترف السياسي ولا الحسابات الصغيرة. مرحلة تتطلب مراجعة شجاعة من الداخل، وإعادة بناء جذرية لمسار المجلس، قبل أن يتحول من رافعة للقضية الجنوبية إلى عبء عليها.
فالخيار اليوم ليس بين المجلس الانتقالي وخصومه، بل بين تصحيح المسار أو الانزلاق إلى هاوية سياسية سيدفع الجنوب كله ثمنها. والتاريخ لا يرحم من يبدد الفرص حين تكون الأوطان على حافة الهاوية.