آخر تحديث :الإثنين - 26 يناير 2026 - 05:02 م

كتابات


مطهر تقي حينما يتبخر الطهر والتقوى في غبار التسطيح والافتراء (1)

الإثنين - 26 يناير 2026 - 03:19 م بتوقيت عدن

مطهر تقي حينما يتبخر الطهر والتقوى في غبار التسطيح والافتراء (1)
صورة من مقال مطهر تقي

كتب/د.عيدروس نصر النقيب

نشر مطهر تقي (النائب الدائم لوزير الإعلام منذ ثمانينات القرن الماضي) مقالا مطوَّلاً على موقع صحيفة الميثاق، لسان حال المؤتمر الشعبي العام (مؤتمر صنعاء كما يبدو)، وجرى تداوله على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقدمه البعض على إنه (من أجمل ما قرأ). . . مقالا بعنوانٍ عجيب "مظلومية اتهام الشمال بظلم الجنوب" تضمن عدداً من الترهات والتأويلات السطحية لمعنى ومضمون القضية الجنوبية، معترضاً في الأصل على مسمى "القضية الجنوبية"، ومن ثم على ما ساد من صخب وضجيج عن عدالة القضية في قاعات مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء معتبراً "ما خرج به مؤتمر الحوار الوطني تحت بند عدالة القضية الجنوبيه لم أجد إلا شكاء و بكاء لا رأس له ولا ذنب"،

ثم يسترسل طوال مقالته المملوءة بالسطحية والابتسار ليستعرض مراحل قيام ثورة 14 أوكتوبر والدعم الذي حصلت عليه، من صنعاء وتعز، ثم صراعات التيارات السياسية الجنوبية ونزوح العديد من السياسيين الجنوبيين، بعد الاستقلال وبعد الإطاحة بالرئيس قحطان الشعبي وإجراءات التأميم التي نزح على إثرها عدد من رجال الأعمال إلى صنعاء وتعز والحديدة ثم أحداث العام 1978م وأحديث يناير 1986م ثم أخيرا ذهاب الجنوبيين لتحقيق الوحدة اليمنية في العام 1990م

ولم يخفِ هذا المطهر التقي، المفتقر لأي علامة من علامات الطهر والتقوى، لم يخف استمتاعه بالحديث عن الصراعات بين أطراف النظام السياسي في الجنوب، متباهياً بأن صنعاء كانت الملاذ لجميع الجنوبيين الهاربين، وطبعا سيكون من الغباء أن يطلب منه أحدٌ الحديث عن صراعات الأشقاء الشماليين طوال النصف الثاني من القرن العشرين، أما منذ بدايات القرن الجديد فمساكين أهلنا في الشمال، الذين لم يعودوا يسمعوا صوت الرصاص إلا من خلال الألعاب النارية بمناسبات الأعياد وأفراح الأعراس.

ليست تلك هي المشكلة مع مطهر تقي، لأن الموضوع الأهم في منشوره أو مقاله أنه يعمد إلى السطحية والتسطيح للوصول إلى نتائج أقل ما يمكن أن توصف به أنها خرقاء بكل معاني الكلمة، من خلال:

1. إنه يتحدث عن ظلم الشمال للجنوب كفرضية يريد أن يدحضها ليبرهن عكسها، أي إن الجنوب هو من ظلم الشمال، وذلك لعمري منهج يتعمد الاستغباء المصطنع للهروب من الإقرار بالحقيقة، أو يمارس الغباء لأسباب بفطرية لأنه لا يدري ماذا يقصد الناس حينما يتحثون عن "القصية الجنوبية".

لتعلم أيها الكاتب الجهبذ، أن لا أحد يتهم الشعب الشمالي بأي جناية تجاه الجنوب، لأن الشعب الشمالي هو نفسه ضحية للسياسات المعوجة والظالمة التي أمضيتم أكثر من نصف قرن تبجلون ممارسيها وتمتدحون راسميها وتصفونهم بالفروسية والبر والريادة، ولم تلتفتوا إلَّا بعد أن وجدتم أحفاد حميد الدين وأمير الدين يحطمون أبواب منازلكم لاقتحامها، . . إذن لا مشكلة بين الشعبين في الشمال والجنوب، لكن مشكلة الشعب الجنوبي، ومثله الشعب الشمالي هي مع أمثالك أنت ورؤسائك من المنظرين والقادة السياسيين الذين يصورون سياسات الظلم والفساد والاستبداد والقهر والإكراه والسلب والنهب والإقصاء والاستبعاد على إنها إنجازات وطنية من إنجازات الثورة والجمهورية والوحدة والديمقراطية، التي تسمونها بـ"الثوابت الوطنية" وأنتم من تسبب في فقدانها لثباتها وتبّخُّرِها في الهواء مثلما يتبخر السراب الذي يظنه الضمآن ماءً.

2. يصور هذا :"المطهر التقي" المظلومية بأنها تتمثل في هجرة مواطنين من الجنوب إلى الشمال، وبالتالي فإن المظلوم هو الشمال والظالم هو الجنوب، لأن الهجرات الجنوبية إلى الشمال لم تنقطع

ومن الواضح أن الرجل لا يرغب في الحديث عن الظلم والمظلومية الحقيقيين، لأنه لو فعل ذلك سيضطر إلى الاقتراب من جوهر المشكلة الحقيقية التي يتهرب من الإقرار بها أو حتى التظاهر بمعرفتها، وإن لن يعدم وسيلة للاحتيال على المفهوم وتفسيره كما يحلو لأمثاله أن يفسروه.

لكن دعونا نفترض أنه محق في ما يقول وأن النزوح من الجنوب إلى الشمال ظلمٌ كبير للشمال، ونسأل: ألا يعلم الرجل أن الزبيري والنعمان ومعهما رواد المعارضة الشمالية حينما أسسوا البذور الأولى لحركة المعارضة لحكم الأئمة فعلوا ذلك في عدن؟ وهل يعلم أن عدن وكثير من مدن الجنوب ظلت مفتوحة الأبواب لكل الهاربين من ظلم المشائخ والمتسلطين العسكريين و"عكفة" الإمام وللباحثين عن العمل والتعليم والاستشفاء والاستقرار من جميع مناطق الشمال منذ أربعينات القرن الماضي وما قبلها وما بعدها وحتى يوم الناس هذا؟ إلا يعلم أنه في العام 1979م فقط بعيد حركة الناصريين في تعز وأنصارهم من أهالي عمران ومأرب وحرف سفيان وصل إلى عدن قرابة المائة ألف نازح بينهم قياديون كبار، هاربين من مطاردة محمد خميس وأجهزته القمعية سيئة السمعة وما ارتكبته من عمليات الإعدامات الجماعية التي اتبعها نظام صنعاء مع معارضيه.

هو يعتبر النزوح الجنوبيين ظلماً من منهم للشمال والشمالين أما في الجنوب وبالذات في زمن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية فقد كان النازح الشمالي يُعامَل معاملة المواطن الجنوبي ويحصل على الحق في العمل والسكن وجواز السفر والتعليم والاستشفاء والابتعاث إلى الخارج للعلاج أو الدراسة ولم يقل أحدٌ إن هذا ظلماً شمالياً في حق الجنوب، في حين كان المواطن الجنوبي في صنعاء أو تعز يمنح بطاقة إقامة أقل قيمة من بطاقة الإقامة في بلدان المهجر مكتوب عليه "جنوبي مقيم في صنعاء"، أو في تعز، أو في غيرها من المدن.

إن المظلومية التي يتحدث عنها الجنوبيون، ليست تلك الترهات والسطحيات التي يتحدث عنها أخونا، وهي لم تظهر إلا بعد حرب الغزو والعدوان التي جرى الإعداد لها منذ 23 مايو 1990م، وما إعلانها يوم 27 أبريل 1994م سوى تدشين لعملية التنفيذ لهذه الحرب الإجرامية التي يحاول مطهر تقي ومن على شاكلته أن يتهرب من سبر أغوارها وكشف أسبابها وخلفياتها ونتائجها التدميرية بحق الجنوب والجنوبيين.

إن القضية الجنوبية يا هذا هي قضية حرب عدوانية شنها نظام صنعاء مستهدفاً أرض وشعب الجنوب وما نجم عنها من تدمير للدولة ونهب للأرض وعبث بالثروة وتقاسم لموارد الجنوب بين أساطين الحرب وتزوير للتاريخ الجنوبي وتزييبف لحقائقه وإقصاء لسكان الجنوب ومحاولة مسخ هويته بالادعاء بنظرية الواحدية، ومحاولات تفكيك المجتمع الجنوبي وزرع الفتن وااستدعاء الثأرات وتصدير ثقافة الولاء للقبيلة فوق الولاء للوطن وربط مشائخ القبائل بشيخ مشائخ اليمن الذين منعوا قيام الدولة الجمهورية في صنعاء وجاءوا ليستكملوا المهمة في الجنوب.

3. لست بحاجة إلى استعراض كمية الزيف والافتراء التي سعى صاحبها إلى حشو مقالته بها من خلال السردية البلهاء والمملة لأحداث وحوادث تعمد تسطيحها وبترها عن خلفياتها وأسبابها، ليغدو كل الدور الجنوبي فيها سلبياً وعدوانياً وخيانياً وظالماً، وكل دور نظام صنعاء فيها هو دور الملاك الطاهر الذي يتنازل عن كل شيء في سبيل تبني الفضيلة وتأدية الأدوار الطاهرة التي لا يقوم بها الَّا الأنبياء والمرسلون، لكنني سأتوقف عند بعض الفقرات التي تضمنها المنشور من تلك التي لا يقدم على نشرها وتسويقها إلا المخبرون البائسون الفاشلون حينما يمارسون الوشاية بمن لا يروق لهم من المعارضين لاسترضاء الأجهزة البوليسية في الأنظمة القمعية والديكتاتورية.

أ‌. يُمِنُّ الكاتب على الجنوب أن حكومة صنعاء اعترفت بدولة الاستقلال في ثلاثين نوفمبر 1967م وربما اعتبر هذا مظلومية إضافية من بين تلك المظلوميات الجنوبية في حق الشمال، ويقول أن الانفصاليين هم من سيطر على الوضع في عدن، وحتى حينما يقتبس القاضي الإرياني، يتعمد الابتسار والبتر ولم يشِر إلى ما قاله القاضي الإرياني نفسه فس مذكراته بأن صنعاء كانت تحت الحصار "ولا شك أن عدم إعلان ذلك (أي عدم إعلان انضمام دولة الاستقلال إلى الجمهورية العربية اليمنية) له عدة دوافع، منها إن الجمهورية اليوم في الشمال على كف عفريت ومصيرها مجهول وصنعاء محاصرة، فهم لا يريدون أن يرتبطوا بمصير مجهول" (مذكرات القاضي الإرياني ص 29).

إننا نتحدث عن أمور مضى عليها قرابة الستين عاماً يفترض أن نقرأها بعين المؤرخين لا بتشكيك المخبرين وراصدي خطوات الخصم المستهدف بالإدانة والشيطنة.

ب‌. يقول أبناء الأرياف البسطاء بعبقريتهم المتوارثة إن "كثر الشطارة هبالة" وقد تذكرت هذا حينما قرأت ما يقوله الكاتب عن اتفاق عام 1989، وإعلان مايو 1990م حيث يكرر ما تقوله صحف سلطة 1994م بأن ذهاب الجنوب إلى "الوحدة اليمنية" كان هروبا " إلى الوحدة" ليس لتحقيق شعار وطني آمن به الشرفاء من البلدين الشقيقين ولكن "لوضع حد للأزمة الاقتصادية و للصراعات و الخلافات بين الرفاق و أصر على الرئيس علي عبدالله صالح على الوحدة الأندماجيه(يقصد الاندماجية) مما إضطر (يقصد اضطر) علي عبدالله صالح سحب مقترحه بالوحدة المتدرجه (يقصد المتدرجة)".

لقد تعمدت ترك النص بما فيها من أخطاء لغوية وإملائية، وتشويش في المضمون، لا لكشف المستوى المتدني لغويا وثقافيا لكاتب النص، ولكن للكشف أن نظام صنعاء لم يكن جاداً في موضوع "الوحدة اليمنية" إلا لاستغلال حالة "الهروب المزيفة" التي ما فتئ هذا الإعلام يكررها حتى بعد انهيار الدولة التي يزعمون أن الجنوب هرب إليها.

لقد كشف الكاتب، وهو أحد منظري النظام، من حيث أراد أن يبرز أفضليات النظام الذي يمثله، بأن حكام صنعاء كانوا يرون في الجنوب لقمةً سائغة سهلة الابتلاع، وليس شريكا ندِّياً في مشروع دولة المستقبل التي لم تكن تخطر لهم على بال، وقد كشفت ممارسات ما بعد حرب العدوان تلك الحقيقة التي لم تدركها القيادة الجنوبية -بكل أسف- إلا بعد فوات الأوان.

وللحديث بقية