الجمع بين القدرة الاستخباراتية السعودية المتقدمة والخبرة الميدانية الطويلة للقوات الجنوبية يشكل فرصة غير مسبوقة لإعادة ضبط المشهد الأمني في جنوب اليمن.."
يعد ملف مكافحة الإرهاب واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في المشهد اليمني، وهو ملف لا يحتمل القرارات السريعة أو الارتجال، لأن كلفة ذلك عالية. ومع توقف الدور أو الدعم الإماراتي في هذا الجانب، بسبب الأحداث الأخيرة التي شهدها جنوب اليمن، تجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام اختبار حقيقي، لا يخص فقط أمن اليمن، بل يمتد ليشمل أمنها القومي وشريط حدودها، وكذلك موقعها الإقليمي في معركة طويلة مع التنظيمات المتطرفة.
خروج الإمارات من هذا الملف ومن الساحة اليمنية كليًا لا يعني أن معركة مكافحة الإرهاب انتهت. لكنَّ هذا الخروج يضع السعودية أمام واقع جديد، تصبح فيه الطرف الأوحد المتحمل للمسؤولية، ليس بوصفها شريكا في معركة سابقة في اليمن، بل بوصفها اللاعب الذي سيطلب منه إدارة الملف أو احتواء تداعياته. وهنا يبرز سؤال مهم: كيف ستدير الرياض هذا الملف الصعب في بيئة معقدة مثل اليمن؟
مما لا شك فيه أن السعودية لا تبدأ من الصفر، فلديها خبرة وإمكانات، لكنَّ التحدي هذه المرة أكبر، فأية خطوة غير محسوبة ستكون لها نتائج سياسية وأمنية خطيرة. المعركة القادمة مختلفة في أسلوبها وأدواتها وحساسياتها، وتتطلب إدارة هادئة، ونَفَسا طويلا، وفهما أعمق للواقع اليمني بدل الاعتماد على الحلول السهلة.
من العمل الاستخباراتي إلى تحدي الميدان
كما هو معلوم فإن السعودية تمتلك خبرة طويلة في مكافحة الإرهاب داخل اليمن، لكنها كانت خبرة ذات طابع استخباراتي بالدرجة الأولى. لسنوات، ركزت الرياض على اختراق التنظيمات المتطرفة من الداخل، وبناء شبكات معلومات، وجمع البيانات، وتحييد القيادات عبر العمل السري، وهو أسلوب أثبت فعاليته في مراحل معينة، خاصة عندما كان التنظيم يعمل في بيئة أقل تعقيدا. معظم خلايا التجسس التي تحدث عنها التنظيم، والتي تسببت بمقتل أبرز قادته، زرعتها المخابرات السعودية، بحسب شهادات كثير من أفراد تلك الخلايا.
أما اليوم، فالوضع تغير تمامًا، لأن الجماعات المتطرفة لم تعد مجرد خلايا مخفية، بل أصبحت كيانات متكيفة تستغل الفوضى والفقر والحروب لتقوية نفسها. هذا التغيير يجعل المعلومات وحدها غير كافية، ويضع السعودية أمام تحدٍ صعب: كيف تسيطر على الأرض بشكل فعلي دون أن تنجر إلى حرب استنزاف طويلة تستهلك طاقتها وطاقة حلفائها المحليين؟
أما التحدي الأكبر فيتمثل في أن السعودية لم تخض في السابق حربا ميدانية مباشرة ومنظمة ضد التنظيمات الإرهابية داخل اليمن. الدور العسكري كان غالبا غير مباشر، أو يتم عبر دعم أطراف أخرى، من خلال تقديم المعلومات الاستخباراتية وغيرها. ومع غياب الإمارات، تصبح الحاجة ملحة لبناء نموذج جديد يجمع بين الاستخبارات، والدعم العسكري، والعمل الأمني المحلي، وهو نموذج يتطلب وقتا وصبرا وقرارات محسوبة وغير مرتجلة.
كما أن أي خطأ أو سوء تقدير في هذه المرحلة قد يمنح التنظيمات فرصة لإعادة التموضع، واستعادة المبادرة، خاصة في المناطق الوعرة التي يصعب ضبطها أمنيا. وهذا ما يجعل الانتقال من العمل الاستخباراتي إلى إدارة معركة شاملة أمرا بالغ الحساسية.
السيناريوهات المحتملة
أمام السعودية ثلاثة سيناريوهات رئيسية في تعاملها مع ملف الإرهاب بعد خروج الإمارات. السيناريو الأول يتمثل في نجاح مشروط، يقوم على دعم فعلي للقوات الجنوبية المحلية الخبيرة، وتنسيق استخباراتي عالي المستوى، ما يؤدي إلى تقليص نفوذ التنظيمات واحتوائها دون استنزاف طويل.
السيناريو الثاني يتمثل في أن يقتصر التدخل على إجراءات محدودة لا ترقى إلى مستوى الحسم، ما يمنح التنظيمات المتطرفة فرصة لإعادة التموضع والتكيّف مع الواقع الجديد، دون أن تتمكن من التوسع الكبير أو السيطرة المباشرة. النتيجة هنا لن تكون انهيارا أمنيا شاملا، لكنها حالة استنزاف صامتة تبقي التهديد قائما ومؤجلا بدلا من إنهائه.
أما السيناريو الثالث، والأخطر، فهو انفلات أمني ناتج عن قرارات متسرعة أو سوء تقدير، وهو ما قد يحول جنوب اليمن إلى ساحة مفتوحة تعيد تصدير التهديد إلى الإقليم بأكمله.
على من ستعول السعودية
من غير الواقعي أن تعتمد السعودية على قوات خارجية أو تدخل مباشر واسع النطاق في ملف مكافحة الإرهاب داخل اليمن. الخيار الأكثر منطقية، والأقل كلفة على المدى الطويل، هو الرهان على القوات المحلية في الجنوب، لكنَّ هذا الخيار، رغم وجاهته، يحمل في طياته تحديات حقيقية.
فليست كل القوات المحلية مؤهلة لخوض حرب معقدة ضد تنظيمات تمتلك خبرة طويلة في التمويه، والتجنيد، والقتال غير التقليدي. بعض التشكيلات التي تدعمها الرياض مثل قوات درع الوطن تفتقر إلى التدريب النوعي، والاستخباري أو حتى الميداني في مثل هذه المواجهة، وهو ما قد يحول المعركة من حرب على الإرهاب إلى صراع فوضوي بلا نتائج حاسمة ونهائية.
في هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن السعودية لن تستغني عن القوات الجنوبية، خصوصا تلك التي راكمت خبرة ميدانية طويلة في مواجهة التنظيمات المتطرفة خلال السنوات الماضية. هذه القوات خاضت معارك مباشرة، ودفعت أثمانا بشرية باهظة، وتعلمت من الأخطاء، وبنت معرفة دقيقة بطبيعة العدو، وأساليبه، ومناطقه.
الرهان على هذه القوات لا يأتي من باب العاطفة أو السياسة، بل من منطق العمل والنتائج، فمكافحة الإرهاب ليست مجالا للتجربة، بل تتطلب خبرة تراكمية، ومعرفة محلية واسعة، وأيضا قدرة على التحرك السريع في بيئة معقدة. وكل هذه العناصر تتوفر بدرجات متفاوتة لدى القوات الجنوبية مقارنة بغيرها.
لكن الاعتماد على هذه القوات وحده لا يكفي، فالدروس السابقة أثبتت أن غياب الدعم الكافي، سواء كان لوجستيا أو استخباراتيا أو سياسيا، يحد من قدرة أي قوة محلية على تحقيق نتائج مستدامة، ولو أنَّ القوات الجنوبية حصلت في السابق على دعم مناسب، لكانت قد حققت نتائج غير مسبوقة في مجال مكافحة الإرهاب، وربما كانت الخريطة الأمنية في جنوب اليمن مختلفة اليوم.
وإلى جانب كل ما تقدم، لا يمكن فصل ملف مكافحة الإرهاب في اليمن عن السياق الدولي، فالولايات المتحدة وشركاؤها الغربيون يملكون حضورا استخباراتيا وتأثيرا سياسيا لا يمكن تجاهله.
وأي مقاربة سعودية فاعلة ستحتاج إلى تنسيق دقيق مع هذه الأطراف، سواء في تبادل المعلومات، أو توحيد المواقف، أو ضمان الدعم السياسي الخارجي. وتجاهل هذا الجانب قد يضيق خيارات السعودية ويفتح عليها ضغوطا سياسية في لحظات حساسة.
قيادة موحدة
من المتغيرات المهمة في المرحلة الحالية أن القوات في جنوب اليمن ستعتمد اليوم، وإلى حد كبير، على العمل بإشراف اللجنة العسكرية التي تقودها السعودية. وهذا التطور يعتبر فرصة نادرة، وربما لا تتكرر، أمام السعودية لإعادة ترتيب ملف مكافحة الإرهاب بطريقة أكثر فاعلية.
القيادة الموحّدة تقلّل من تضارب القرارات، كما أنها تحد من الفوضى على الأرض، وتساعد على توزيع الأدوار وفق الخبرة والكفاءة. وفي ملف حساس كمكافحة الإرهاب، تبقى وحدة القرار من الشروط الرئيسية للنجاح.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، الاستغناء عن دور باقي التشكيلات العسكرية والأمنية، فالمعركة ضد الإرهاب تحتاج إلى تكامل الأدوار، وتوزيع المهام، وتنسيق الجهود. لكن الأولوية المنطقية يجب أن تمنح لأصحاب الخبرة الميدانية، وللقوات التي أثبتت قدرتها على الصمود والمواجهة طوال السنوات الماضية.
السعودية، من جهتها، تمتلك القدرة على توفير الغطاء السياسي، والدعم الذي تحتاجه القوات على الأرض، والتنسيق الاستخباراتي. ولا شك أن النجاح هنا لن يكون سريعا أو استعراضيا، لكنه سيكون أكثر استدامة وأقل كلفة على المدى البعيد.
الخلاصة
باختصار، أصبحت السعودية الآن أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التعامل بذكاء وواقعية مع ملف الإرهاب في اليمن بعد غياب الإمارات. النجاح في هذه المهمة لا يتطلب تكرار الوصفات القديمة، بل يحتاج إلى فهم عميق لما يحدث على الأرض، والاعتماد بشكل حقيقي على القوى الخبيرة التي لم تحصل على الدعم الكافي في السابق.
إن الجمع بين القدرة الاستخباراتية السعودية المتقدمة والخبرة الميدانية الطويلة للقوات الجنوبية يشكل فرصة غير مسبوقة لإعادة ضبط المشهد الأمني في جنوب اليمن، وتحويل هذه القوى المشتركة إلى قوة فعالة تمنع تنظيم القاعدة من استعادة زمام المبادرة.
إبراهيم علي
خبير في شؤون في الجماعات المسلّحة، أخفى هويته لأسباب أمنية