لماذا لا يتقدّم حزب الإصلاح، بصفته الفرع اليمني لتنظيم الإخوان المسلمين، إلى واجهة معركة تحرير صنعاء بالزخم نفسه الذي يظهره في معارك تقاسم السلطة والحقائب الوزارية؟
هذا السؤال لا يُطرح بدافع الخصومة السياسية بقدر ما يفرضه مسار طويل من السلوك المتكرر، حيث تكشف التجربة أن الحزب يتعامل مع كل مرحلة انتقالية باعتبارها فرصة لإعادة التموضع السياسي وتحقيق مكاسب تنظيمية، أكثر من كونها محطة لحسم معركة وطنية جامعة.
فالخطاب العلني غالبًا ما يرفع شعارات الدولة والشرعية والتحرير، غير أن الممارسة العملية تشير إلى أولوية مختلفة: النفوذ داخل المؤسسات، الحضور في مفاصل القرار، وضمان الحصة السياسية قبل أي مواجهة حقيقية مع المشروع الحوثي في صنعاء.
أولًا: ما بعد حرب 1994… شراكة نفوذ لا مشروع دولة
بعد حرب صيف 1994 على الجنوب، دخل حزب الإصلاح في شراكة سياسية كاملة مع نظام علي عبدالله صالح.
في تلك المرحلة، لم يكن الهدف بناء دولة مؤسسات بقدر ما كان تقاسم النفوذ داخل السلطة. حصل الحزب على مساحة واسعة داخل الوزارات والمحافظات والأجهزة الإدارية والأمنية، وتم توسيع حضوره عبر التعيينات القائمة على الولاء الحزبي أكثر من الكفاءة.
شهدت الدولة حينها واحدة من أخطر مراحل تسييس الوظيفة العامة، حيث أُقصيت الخبرات لصالح الانتماء، ما أضعف بنية الدولة ومهّد لاحقًا لانهيارات أعمق.
ثانيًا: مرحلة “ثورة الشباب”… التغيير كرافعة للتمكين
مع اندلاع احتجاجات 2011، تعامل الحزب مع المشهد بوصفه فرصة تاريخية لإعادة الانتشار داخل الدولة.
تحت شعار “التغيير”، تم الدفع بأعداد كبيرة من كوادره إلى مواقع متقدمة: وزراء، وكلاء، محافظون، سفراء، ومدراء عموم.
وبدل أن تتحول الثورة إلى مسار لإصلاح مؤسسات الدولة، جرى في كثير من الأحيان إعادة إنتاج منظومة النفوذ بصيغة جديدة، ما أبقى جذور الأزمة قائمة، وإن تغيرت الواجهات.
ثالثًا: 2015… محاولة تكرار السيناريو وتغيّر المعادلة
مع اندلاع الحرب في 2015، بدا أن الحزب يسعى لإعادة تفعيل نمط التمدد نفسه، مستفيدًا من حالة الفوضى والانهيار العام.
غير أن هذا المسار اصطدم بعوامل جديدة، أبرزها موقف الجنوبيين الرافض لإعادة إنتاج تجربة ما بعد 1994، إضافة إلى الدور الذي لعبته دولة الإمارات في الحد من تمدد الجماعات المؤدلجة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، وفرض مقاربة مختلفة في إدارة المناطق المحررة.
رابعًا: المشهد الراهن… استثمار مسارات مفروضة وصراع نفوذ
اليوم، ومع كل تحوّل سياسي أو حديث عن تسويات، يسعى الحزب إلى تثبيت حضوره داخل أي معادلة جديدة، مستفيدًا من أي فراغ أو تساهل سياسي.
وفي هذا السياق، برزت محاولات واضحة لاستغلال المسار الجديد الذي فرضته السعودية بالقوة العسكرية جنوبًا لإعادة ترتيب موازين النفوذ، وتقديم ذلك بوصفه “تصحيحًا للمسار” أو “إعادة ضبط للشرعية”.
غير أن فرض المسارات بالقوة لا يصنع استقرارًا، بل يعيد إنتاج الأزمة بأدوات جديدة. فبدل أن تتجه الجهود نحو جبهة صنعاء واستكمال معركة الدولة ضد الحوثي، تنزلق البلاد إلى معارك جانبية عنوانها النفوذ والتحكم بالمناطق، ما يوسع الشروخ داخل المعسكر المناهض للحوثي ويبدد فرص الحسم.
المحاصصة كإشكالية بنيوية
من أبرز الإشكاليات التي رافقت مسار حزب الإصلاح إصراره على المحاصصة السياسية بوصفها قاعدة لإدارة الدولة.
هذه المقاربة لم تؤدِّ فقط إلى إبطاء مسار بناء الدولة، بل ساهمت في تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وراكمت الفساد، وأبقت البلاد في دائرة صراع دائم.
في كثير من المراحل، جرى تصنيف المواطنين على أساس حزبي حاد:
من ينسجم مع توجه الحزب يُقدَّم بوصفه “وطنيًا”، ومن يعارضه يُوصم بعدم الوطنية أو تُبرَّر محاربته سياسيًا، ما أضعف فكرة الدولة الجامعة، ورسّخ منطق الإقصاء بدل الشراكة.
تجربة صالح… درس لم يُستوعب
حتى حين منح نظام علي عبدالله صالح حزب الإصلاح مساحة واسعة داخل السلطة والجيش والأمن، لم تتحول تلك الشراكة إلى مشروع استقرار طويل الأمد، بل انتهت بصدام سياسي حاد وانقلاب كامل على الحليف السابق.
وهي تجربة تكشف طبيعة العلاقة التي تقوم غالبًا على المصالح المرحلية لا على شراكات وطنية مستقرة.
في نهاية المطاف، لم تعد الإشكالية مع حزب الإصلاح مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحولت إلى أزمة ثقة عميقة تراكمت عبر سنوات طويلة من التجارب والنتائج. لدى شريحة واسعة من الجنوبيين قناعة راسخة بأن هذا الحزب تعامل مع الجنوب بوصفه ساحة نفوذ لا شريكًا متكافئًا، وأن حضوره في مفاصل الدولة خلال مراحل مختلفة كان جزءًا من صناعة الأزمات لا من حلّها.
ولهذا السبب تحديدًا، لم يعد ممكنًا في نظر كثيرين جنوبًا فرض خيارات حزب الإصلاح أو إرادته تحت أي ضغط سياسي أو عسكري أو عبر مسارات مفروضة. فكل محاولة لإعادة إنتاج الوصاية أو تدوير القوى نفسها ستواجه رفضًا شعبيًا متجذرًا، لأن التجربة علّمت الناس أن التسويات التي تتجاهل الإرادة الجنوبية سرعان ما تتحول إلى صدامات جديدة.
ومن هنا، وصل الجنوبيون إلى قناعة مكتملة بأن فك الارتباط لم يعد مجرد شعار سياسي، بل خيارًا يعتقدون أنه الأقدر على تخليص الجنوب من تراكمات وأخطاء مرحلة طويلة ارتبطت بنفوذ هذا الحزب، وفتح صفحة جديدة تُدار فيها الأرض والقرار بإرادة أهلها، بعيدًا عن المحاصصة، وبعيدًا عن تحويل الدولة إلى غنيمة، والسياسة إلى صراع دائم.