آخر تحديث :الثلاثاء - 27 يناير 2026 - 09:47 م

اخبار وتقارير


الجنوب بين الزخم الشعبي والضغوط الإقليمية: قراءة في مسار القضية الجنوبية

الثلاثاء - 27 يناير 2026 - 07:11 م بتوقيت عدن

الجنوب بين الزخم الشعبي والضغوط الإقليمية: قراءة في مسار القضية الجنوبية

عدن تايم/ اعداد: أ. منى هيثم

يشهد المشهد الجنوبي مرحلة مفصلية تتقاطع فيها التحولات العسكرية مع الاستحقاقات السياسية، في ظل تصاعد التباينات بين الفاعلين المحليين والإقليميين حول مسارات الحل الممكنة للقضية الجنوبية فالتطورات الأخيرة، وفي مقدمتها انتشار قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي المهرة وحضرموت، وما أعقب ذلك من ردود عسكرية عنيفة، كشفت عن عمق الأزمة وتعقيداتها، وأظهرت محدودية الأطر السياسية القائمة في استيعاب التحولات الجارية على الأرض.

في هذا السياق، برزت الدعوة إلى الحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض باعتبارها محاولة لإعادة ضبط المشهد السياسي، غير أن تزامنها مع خطاب إقصائي وإجراءات سياسية استهدفت قيادات جنوبية فاعلة، ألقى بظلال من الشك على جدوى هذا الحوار ومصداقيته. وفي المقابل، جاء إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن مرحلة انتقالية وإصدار إعلان دستوري كاستجابة مباشرة لمطالب شعبية متصاعدة، ما فتح بابًا جديدًا للتجاذب بين مشروع جنوبي يسعى لتكريس مسار سياسي مستقل، ورؤية إقليمية ودولية تتمسك بسقف المرجعيات المعترف بها للعملية السياسية الشاملة في اليمن.

من هنا، تبرز الحاجة إلى قراءة سياسية متأنية لطبيعة هذا التعارض، وحدوده، وإمكانيات تحويله من حالة صدام مفتوح إلى مسار تفاوضي يعيد تعريف القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية قائمة بذاتها، لا ملفًا فرعيًا ضمن تسويات لم تعد تعكس الواقع الجديد في جنوب اليمن.

تم تقسيم القراءة التحليلية إلى ثلاثة محاور مترابطة، وخلاصة حكم سياسي وتوصية ختامية.


أولًا: هل يوجد تعارض بين ما تطلبه السعودية (رؤية حل) وبين الإعلان الدستوري والمرحلة الانتقالية التي أعلنها المجلس الانتقالي؟


الجواب المختصر:

نعم، يوجد تعارض سياسي وقانوني جزئي، لكنه ليس تعارضًا مطلقًا أو غير قابل للاحتواء.

ويعود تفسير هذا التعارض إلى:


1-سقف السعودية: “المرجعيات”.

عندما تقول السعودية إن أي رؤية يجب أن تكون تحت سقف مرجعيات العملية السياسية الشاملة في اليمن فهي تقصد عمليًا:

-قرارات مجلس الأمن (خصوصًا التي تتعامل مع اليمن كوحدة قانونية).

- الإطار الأممي للحل الشامل.

- عدم الاعتراف بأي خطوات أحادية تغيّر الوضع القانوني.

أي أن السعودية تريد رؤية سياسية تفاوضية. لا إجراءات سيادية مكتملة الأركان.


2-الإعلان الدستوري: خطوة سيادية أحادية.

إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي لمرحلة انتقالية وإصدار إعلان دستوري جاء استجابة لمطالب شعبية جنوبية باستعادة الدولة، وعزّز التماسك والشرعية الشعبية في الداخل.

وخارجيًا خلق تعارضًا مع الإطار القانوني الدولي، ورفع مستوى التوتر مع الإقليم، على اعتبار ان الإعلان الدستوري والمرحلة الانتقالية التي أعلنها المجلس الانتقالي تمثل قفزة من منطق “القضية” إلى منطق “السلطة ,”تُقرأ دوليًا كـ محاولة فرض أمر واقع سياسي ودستوري قبل التوافق حتى لو كانت استجابة لضغط شعبي، أو نتيجة فراغ سياسي فهي من زاوية دولية تعني تجاوز لمسار التوافق وليست امتدادًا له.


3-نقطة التعارض الحقيقية:

يجب الإشارة إلى ان التعارض ليس في الهدف (حل القضية الجنوبية)، بل في الوسيلة والتوقيت.

تتمحور نقاط الاختلاف الجوهرية بين الموقف السعودي وموقف المجلس الانتقالي الجنوبي حول طبيعة المقاربة السياسية وتوقيت الحسم. فالسعودية تتبنى رؤية تفاوضية تقوم على مسار جماعي، يهدف إلى إدارة القضية الجنوبية ضمن إطار سياسي أوسع، مع تأجيل القضايا الحاسمة إلى مراحل لاحقة تضمن توافقًا إقليميًا ودوليًا. في المقابل، يتجه المجلس الانتقالي الجنوبي نحو تكريس مسار مستقل، يستند إلى إعلان دستوري وقرارات أحادية، تعكس رغبة في تسريع الحسم استجابة لمطالب شعبية متراكمة، وملء الفراغ السياسي والدستوري القائم.

هذا التباين لا يعكس فقط اختلافًا في الأدوات، بل يعبر عن فجوة في تصور كل طرف لطبيعة المرحلة، وحدود الممكن سياسيًا، وآليات إدارة الصراع في الجنوب، وهنا جوهر الإشكال.


ثانيًا: كيف يُقرأ الحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض في ظل هذا السياق؟


1-الحوار لم يعد “حواريًا” خالصًا بعد:

- غياب الرئيس عيد روس الزُبيدي.

- حل المجلس خلال وجود الوفد.

- الإعفاءات من مجلس القيادة الرئاسي.

وبتالي تحوّل الحوار من مساحة توافق إلى أداة إعادة ضبط المشهد الجنوبي وهذا يضعف مصداقيته وقدرته على إنتاج إجماع جنوبي حقيقي.


2-الخطاب العدائي وتأثيره.

الخطاب الذي يتعامل مع المجلس الانتقالي بوصفه مشكلة يجب احتواؤها لا شريكًا يجب التفاهم معه يؤدي إلى تشدد الانتقالي، وتشدد الشارع الجنوبي، وتفريغ الحوار من مضمونه لأنه لا يمكن بناء توافق وأنت تُضعف الطرف الأكثر حضورًا على الأرض.


3-الإعفاءات: رسالة سياسية واضحة.

يعتبر إعفاء الزُبيدي والبحسني من مجلس القيادة الرئاسي ليست إجراءً إداريًا فقط بل رسالة سياسية مزدوجة للانتقالي: السقف ما زال مضبوطًا_ لبقية الجنوبيين: هناك بدائل، لكن المشكلة أن البدائل لا تملك وزنًا شعبيًا مماثلًا، ما يخلق فجوة تمثيل خطيرة.


ثالثًا: هل يمكن التوفيق بين المسارين أم أننا أمام صدام سياسي؟


الاحتمالات الواقعية ثلاثة:

السيناريو الأول: الاحتواء (الأفضل).

يُعاد تفسير الإعلان الدستوري كـ:

“إطار تنظيمي داخلي مؤقت”، وتُقدَّم الرؤية المطلوبة للسعودية، بلغة أممية دون نسف جوهر حق تقرير المصير مع تجميد الإجراءات التصعيدية. وهذا يتطلب مرونة من الانتقالي وضمانات من السعودية.


السيناريو الثاني: التصادم البارد.

- استمرار الحوار بشكل شكلي.

- استمرار الانتقالي بخطابه وخطواته.

- ضغط سياسي وإقليمي متدرج.

وهذا أخطر، لأنه يستنزف الجنوب ويفتح الباب لصراعات داخلية.


السيناريو الثالث: الانفجار.

- فشل الحوار.

- فرض ترتيبات قسرية.

- توسع المواجهات (كما حدث بالقصف).

وهذا أسوأ سيناريو، وسيُستخدم دوليًا ضد القضية الجنوبية نفسها.


خلاصة الحكم السياسي


يمكن استخلاص الحكم السياسي للمشهد الراهن في أن الموقف السعودي لا ينطلق من رفض مبدئي لحل القضية الجنوبية، بقدر ما يعكس تحفّظًا واضحًا على فرض هذا الحل عبر القوة أو من خلال إجراءات أحادية قد تُربك المسار السياسي المعترف به دوليًا. وفي هذا الإطار، يُفهم الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي كاستجابة مباشرة لزخم شعبي متصاعد، غير أنه في الوقت ذاته يثير مخاوف إقليمية ودولية تتعلق بشرعية الخطوات الانفرادية وتداعياتها على العملية السياسية الشاملة.

أما الحوار الجنوبي–الجنوبي المنعقد في الرياض، فعلى الرغم من فقدانه جزءًا معتبرًا من حياده نتيجة السياق السياسي والإجراءات المصاحبة له، إلا أنه لم يفقد أهميته بالكامل كإطار محتمل لإعادة ترتيب البيت الجنوبي، إذا ما أُعيدت صياغته على أسس أكثر توازنًا وشمولًا. وعليه، يمكن القول إن القضية الجنوبية تقف اليوم في موقع قوة من حيث الحضور والالتفاف الشعبي، لكنها في المقابل تعاني من هشاشة نسبية على طاولة التفاوض الدولية، حيث لا تزال بحاجة إلى أدوات سياسية ودبلوماسية أكثر فاعلية لتحويل هذا الزخم الشعبي إلى مكاسب سياسية معترف بها.

توصية أخيرة (وليست نصيحة سياسية).

إذا أراد الجنوب حماية مكاسبه وعدم تحويلها إلى عبء دولي فعليه أن يفصل بين “إدارة الواقع” و“حسم الوضع القانوني” ويحوّل الإعلان الدستوري من أداة تصعيد إلى ورقة تفاوض.