يواجه العالم العربي في اللحظة الراهنة مخاضاً عسيراً يضع وجوده السياسي والجغرافي على طاولة التشريح الدولي، في ظل صراع محموم بين إرادة البناء ومخططات الهدم.
وفي حديث خاص ومستفيض لموقع "180 تحقيقات"، قدم الدكتور صالح طاهر سعيد، أستاذ الفلسفة السياسية المساعد بكلية الآداب في جامعة عدن، رؤية تحليلية معمقة حول حالة التصادم بين مسارات بناء القوة ومسارات إضعافها داخل الأمة العربية.
ينطلق الدكتور صالح من قاعدة فلسفية تؤكد أن الاستقراء العالمي المعاصر يبنى على توازن الأمم واحترام الحقوق البينية، مشيراً إلى أن قوة أي أمة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن استقرار أجزائها المتمثلة في شعوبها، حيث يمثل احترام "الثوابت الوطنية" لكل شعب، من هوية وسيادة وحق تقرير مصير، الجسر الوحيد للعبور نحو ندية حقيقية مع الأمم الأخرى في النظام الدولي.
جدلية الحق والقوة.. جذور الإخفاق في الفكر السياسي العربي
يرى الدكتور صالح طاهر أن التاريخ العربي يحمل درساً قاسياً؛ فقد كانت الأمة يوماً هي الأقوى عالمياً، لكنها تهاوت نتيجة فشل أنظمة الحكم المتلاحقة وفشل المشروعات النظرية لإعادة البناء في العصر الحديث.
ويضع الدكتور يده على مكمن الخلل المفهومي، موضحاً الفرق الجوهري بين "الوحدة" التي تخص الشعوب كصاحبة حق أصيل، و"الاتحاد" الذي يمثل ثمرة تكتل هذه الشعوب لبناء القوة، إن تجاهل القاعدة السياسية الذهبية "لا حق بدون قوة ولا قوة بدون حق" هو ما أدى إلى انكشاف الأمة أمام العواصف الدولية.
ويؤكد أن الهرم الإنساني، الذي تتربع على قمته الأمم المتحدة، لم يصل إلى شكله الحالي إلا بعد كلفة باهظة من الحروب الإمبراطورية والدينية، وصولاً إلى مفهوم الدولة الوطنية الحديثة التي لا تزال تعاني في المنطقة العربية جراء تقديم الأيديولوجيات المتصادمة على المصالح الوطنية العليا والاعتراف المتبادل بالحقوق.
مخطط 1990.. من الدولة الوطنية إلى الكانتونات المتناحرة
ينتقل الدكتور صالح في تحليله إلى تشخيص الواقع المرير منذ عام 1990، واصفاً إياه بنقطة التحول نحو "انعدام القوانين". فاليوم يتصادم مشروعان لا ثالث لهما: الأول يسعى للحفاظ على الخارطة السياسية التي تشكلت في القرن العشرين وحازت على اعتراف دولي، والثاني مشروع "تفكيكي" يستهدف تحويل الدول إلى كانتونات مذهبية وعرقية متناحرة ليسهل التحكم بمقدراتها.
ويشير الدكتور بوضوح إلى أن ضرب أعمدة الأمة (العروبة والإسلام) عبر بوابة الصراعات الطائفية والعرقية كان المدخل المصمم بعناية لإدخال المنطقة في نفق "الفوضى الخلاقة". هذا التصادم يضع الأنظمة العربية أمام خيار وجودي: إما الدفاع عن حدود ما قبل 1990 واعتبارها خطوطاً حمراء، أو الانخراط في مسار التفكيك الذي يعني حتماً الزوال التاريخي وتقاسم النفوذ بين القوى الاستعمارية الجديدة.
رؤية استراتيجية.. تصريحات القاهرة والنموذج اليمني والعراقي
وفي سياق متصل، ثمن الدكتور صالح طاهر تصريحات الرئيس المصري خلال شهر فبراير الجاري، والتي حذر فيها من العبث بالخرائط السياسية للدول العربية.
واعتبر أن هذه التصريحات يجب أن تتحول إلى حجر زاوية لرؤية عربية مشتركة تمنع المساس بالحدود الدولية وتصلح ما تم العبث به، خاصة في حالات مثل اليمن، حيث يرى أن إلغاء دولتي "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" و"الجمهورية العربية اليمنية" كان جزءاً من مسار التفكيك الذي يجب إصلاحه بالعودة إلى وضع الدولتين قبل عام 1990.
هذا المشهد، بحسب وصفه، يتكرر في العراق وسوريا ولبنان والسودان بأدوات مختلفة وغرض واحد، مما يستوجب تحركاً من "الدول المحورية" في المنطقة لوقف هذا النزيف قبل فوات الأوان.
المسؤولية التاريخية.. نحو نظام إقليمي عربي متطور
يختتم أستاذ الفلسفة السياسية حديثه بالتأكيد على أن الوضع "خطير جداً"، ويتطلب دعوة عاجلة لمؤتمر عربي استثنائي لإعادة صياغة ميثاق جامعة الدول العربية بما يلبي متطلبات الأمن القومي. إن المطلوب اليوم هو اصطفاف عربي صلب يدافع عن الخارطة السياسية قبل 1990، ويجرم الترويج للمشاريع المذهبية والعرقية، مع التمسك بمبدأ المواطنة المتساوية داخل جغرافية الشعوب.
إن تحرك القوى الأوروبية نحو "الاعتماد على الذات" كما ظهر في مؤتمر ميونيخ، والتحركات الأفريقية في أديس أبابا، يجب أن يكونا حافزاً للعرب لامتلاك زمام المبادرة، بدلاً من البقاء في خانة المفعول به في لعبة التوازنات الدولية الجديدة التي لا تعترف إلا بالأقوياء والموحدين تحت راية الحق الوطني.