المبالغة في الولاء والطاعة، هي في الأساس انعكاس لـ"خيانة داخلية"، فالتاريخ يعيد نفسه، والمشاهد تُعاد، وكل ساقٍ سيسقى بما سقى.
لم يكن " عيدروس الزُبيدي"، ملاكاً، ولم يقل يوماً إنه قائد خالٍ من الأخطاء، فهو اجتهد فأصاب وأخطأ، لكنه كان أكثرهم حرصاً على القضية الوطنية.. الإساءة تجاهه اليوم من "البعض الجنوبي"، كانت تفسرها لنا "المبالغات الزائدة في الولاء والطاعة"... ربما من يظنهم "خونة" وأخر يراهم "جبناء"، فـ"الخائن لا يمكن أن يكون شجاعاً"، قُل فيه كل الصفات الأخرى (الجبان خائن) لكن "الشجاعة والوطنية والإنتماء، فالمقياس الحقيقي في النهايات".
سقطت فكرة أن الخيانة "جغرافيا"، أو أن الوطنية جغرافيا، سقطت كل الأفكار التي ترى في القبيلة وطناً، وفي الوطن قبيلة، سقطت فكرة الأقزام الذين يرون أن القضايا يجب أن تكون نتواءت صغيرة "مناهضة للقضية الوطنية الجنوبية".
سياسة "فرّق تسد" هي مشروع الهيمنة الجديدة، لكن أن تكون هناك بيئة خصبة لهذه السياسة، فذلك يعني أن المشروع قد سقط في وحل المستنقع. فالقضايا الوطنية الكبيرة تظل هي ركيزة أي وطن، وفي الحالة الجنوبية تظل قضية شعب الجنوب هي القضية الوطنية الأم، مثلها مثل القضية الفلسطينية، فالاحتلال لم يختر مدينة واحدة لممارسة الظلم، ولا يمكن أن نحاكم النظام القديم ما قبل مشروع الوحدة بقضايا ومشاكل العام 1967م، كأن تقول إن النظام أخطأ بـ"التوطين والجنسية"، ثم تحاكم الآخرين بالجينات أو بالعرق أو بموطن الهجرة الأم.
الحدود الجغرافية هي في الأساس فكرة للحماية والبناء والتلاحم الوطني، لكن حين تسقط الحدود الوطنية تسقط فكرة الوطن. فالقضايا التي يريد الاحتلال الجديد أن يحاكم بها المستقبل بماضي 67م، هي في الأساس فكرة دخيلة قد تنسف أصحابها، كأن تختطف الأطفال لتسألهم عن "أين المنازل التي جرى تأميمها؟ أن تحاكم مبنى متهالكاً لماذا لم يرفض الصمود لمائة عام أخرى.
قد ترى أن البعض لا يتحدث في هذه المشاريع والنتوءات والأصوات النشاز التي جاءت في ظرف يعاني فيه الوطن من نكسة عسكرية، على يد دولة كانت إلى قبل أيام قليلة من الضربة العسكرية "حليفة".. فهل يمكن أن تكون هذه الدولة اليوم "حليفة" وهي تسقط الصور وتحاكم الأشخاص بتهمة الانتماء إلى "الجنوب"؟.
تحاكم هذه الدولة، الجنوبيين اليوم بتهمة الانتماء لـ"الجنوب"، لكنها لا تمانع أن تكون هناك مشاريع ونتوءات داخلية صغيرة، طالما وهي تساعد في "محاكمة الوطن الجنوبي الكبير". لكن الحتمية القدرية في كل هذا أن هذه النتوءات والمشاريع تسقط بسقوط الاحتلال، وترحل برحيله.
في التجربة اليمنية الشمالية في العام 2012م، حين قرر الإخوان المسلمون في اليمن إسقاط النظام اليمني القائم حينها، ظنوا أن الحرب والفوضى والعنف والإرهاب سيسقط "علي عبدالله صالح"، لكنهم اختاروا طريقاً آخر، طريق المشاريع العابرة للحدود التي ترى في إضعاف الدولة اليمنية فرصة للهيمنة ونهب الثروات والموارد، بقانون "الأمن القومي وجرم الجغرافيا".
لم يسقط الإخوان "صالح"، صحيح أنهم حاولوا قتله بعملية إرهابية مدبرة في جامع النهدين، لكنه لم يمت.. سلّم السلطة وابتعد قليلاً ينتظر ماذا سيفعلون.
كانت النتوءات والمشاريع الصغيرة قد اقتربت من صنعاء "رمزية الدولة"، ثم سقطت دون مقاومة تُذكر. هل سقط علي عبدالله صالح؟ لا، لم يسقط. هرب كل من سعى لإسقاطه أو من ظن أنهم أسقطوه، وتركوا اليمن تواجه مصيرها. البعض اختار "المعسكر التركي وآخر القطري وثالث المعسكر السعودي". هل أنقذوا اليمن؟.
عاد كل معسكر يرمي تهمة السقوط على المعسكر الآخر.. الهاربون إلى المعسكر التركي والقطري تحالفوا علناً ضد المعسكر السعودي. التهمة ليست السماح بسقوط الشمال في قبضة الحوثيين، ولكن لأن الجنوب تحرر وتخلص من الاحتلال الحوثي، وقاوم وسعى صراحة لقيام دولته.
ولأن لعنة الجغرافيا كانت حاضرة، ولأن المشروع السعودي ليس هدفه تحقيق الأمن والاستقرار، لم يستجب لرغبة إخوانية، ولكنه أراد تحقيق ما بدأه: إسقاط اليمن وليس إسقاط "صالح".
نعم، كانت لـ"علي عبدالله صالح" أخطاء جسيمة، أخطاء فظيعة جداً. خطيئة التحالف مع أسامة بن لادن والأفغان العرب والإخوان المسلمين جعلته يسقط مشروع الوحدة اليمنية، ويسقط حتى مشروعية قيام دولة يمنية مستقرة ومزدهرة نتيجة ما تمتلكه من ثروات طبيعية وبشرية. وجد نفسه بين مطرقة الأفغان العرب والإخوان (حلفاء الحرب)، وبين سندان القبيلة اليمنية التي رأت نفسها فوق السلطة وفوق النظام وفوق الدولة وفوق كل شيء، لأن من يتحكم فيها تلك الجارة التي رأت في القبيلة اليمنية "حاشد وبكيل" فرصة لإضعاف النظام وابتزازه.
تحول "صالح" إلى زعيم يمتلك مشروعاً حقيقاً لإنقاذ اليمن، استعادة الحكم والسلطة ولكن دون وصاية. فالوصي الذي ظل يحاكم اليمن بتهمة الجغرافيا، لا توجد منطقة يمنية لم تخسر ابنها في معركة دون أهداف ودون رؤية.
دعاهم إلى الحوار، قال لهم "تعالوا نتحاور.. لسنا حلفاء لإيران". كانت جماعة الحوثيين تتوسع وتحصل على الأسلحة والمتفجرات البحرية والبرية والألغام التي زُرعت في كل شبر من اليمن والجنوب. كان الدم في الجنوب ينزف، وكانت صنعاء تئن تحت وطأة الاحتلال، وكانت تعز تعيش الاختناق الحقيقي، والبيضاء تشكو تبعات حرب قديمة جديدة.
أما مأرب فقد كانت تخوض معركة مفترضة، مع عدو ليس الحوثيين ولكن مع الحاكم الأمني والعسكري والديني الذي يهيمن على محافظة باتت تشكل الملاذات الأمنة لـ"أبناء أسامة بن لادن وحسن البناء".
كان الجنوب ملاذاً لكل يمني يشكو من الحرب الحوثية، وكان "صالح" ينظر إلى عدن وهي ترسم الطريق نحو الخلاص من المشروع الإيراني. رأى المجلس الانتقالي الجنوبي يُؤسس، وشاهد زعيماً يسير على الأرض. دقق في ملامحه. رجل لم يُهزم. لم يستطع "صالح" رغم قوته الإيقاع به. لقد أصبح زعيماً حقيقياً.
ذهب "صالح" إلى مكتبه، أضاء السراج، أخذ ورقة وأراد أن يكتب رسالة إلى عيدروس الزبيدي. فكر طويلاً. أشار عليه سكرتيره الصحفي أن الرسالة قد تكون مهمة ومشجعة لمعالجة خطيئة الحرب "حرب الردة والانفصال" - كما اسماها حينها-، لكن مقاربات "صالح" كانت قائمة على فكرة الانتظار لنقرر مصير صنعاء.
شعر أن الفرصة مواتية وأن العام 2017م يجب أن يكون ميلاد صنعاء الجديد. خاض الحرب بحساباتها العسكرية والسياسية والإعلامية والأمنية. قال له السعوديون إن المعركة محسومة للحوثيين، وإن باستطاعتهم "إنقاذك". سخر منهم وضحك، حتى سمعه الباعة المتجولون في سوق الملح. يا لسخريتكم، جئتم لإنقاذ اليمن واليوم تسعون لإخراجي من بلدي؟ قاتل "صالح" وخاض المعركة بحساباته هو لا بحسابات السعوديين. سقط شهيداً.
هل انتهت حياة الرجل؟ لا يزال حياً زعيماً خاض محاولة حقيقية لإنقاذ اليمن من البطش السعودي الإيراني. ربما كان يرى العناق الحار بين محمد بن سلمان ومسعود بزشكيان في نوفمبر 2023م.. رأهم يتعانقون وبـ"بثينة منصور الريمي لا تزال تحاول فتح عينها لعلها تجد أسرتها وقد عادت إلى الحياة، بعد أن قضت عليها غارة جوية في منتصف العام 2017".
رحل "صالح"، ولكنه ترك أثراً حقيقاً. تركنا نحن خصومه، من كان يصفنا بالانفصاليين، نحترمه ونحترم شجاعته.
أتذكر و"أنا الانفصالي الجنوبي"، الحملات الإعلامية والتشويه للرئيس صالح حتى بعد رحيله. هل قتلوا الرجل في عيون الشعب اليمني؟ لا، بل لا يزال زعيماً. قُتل وهو يقاتل، يخوض الحرب، ويواجه خصومه في الأمس وخصوم اليمن اليوم وغداً. كانت خيانة مؤلمة، لكن الموت كان مكافأة مجزية انتظرها صالح ورفيقه عارف الزوكا. النهاية حتمية، لكن المكافأة الحقيقية هي في طريق النهاية.
اليوم يتكرر مشهد علي عبدالله صالح مع عيدروس الزبيدي، زعيم الجنوب الفذ. أخذ على عاتقه تحرير الجنوب منذ منتصف تسعينات القرن الماضي. ظل علي عبدالله صالح يلاحقه ويبحث عنه، لكن الرجل أراد خوض المعركة. بدأ في البناء من الأساس، تأسيس المقاومة، مقاومة الاحتلال.
جاءت الحرب الحوثية والرجل في كامل جهوزيته لحرب التحرير. خاض الحرب بتلك الحسابات الوطنية. لم يكن يدرك أنه سيعيش إلى اليوم التالي، لكنه كان متأكداً أن بندقية المقاومة الجنوبية تعزف النشيد الوطني في عموم مدن الجنوب.
كان الزبيدي يعيش كل يوم في حياته وهو يفكر أن الطريق الذي سلكه لا يختاره إلا ناس أوفياء مخلصون لوطنهم وقضاياهم الوطنية. إن كانت للرجل أخطاء، فله صواب وطني كبير اسمه المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المسلحة الجنوبية وهيئات جنوبية كانت تمثل النواة المثلى لدولة جنوبية حقيقية على الأرض.
حين خسر "علي عبدالله صالح" المعركة مع الحوثيين، لم يشمت الزبيدي بخسارة خصمه اللدود، بل كان وفياً لبندقية المقاومة، وفياً لتضحيات اليمنيين، لتضحيات صنعاء ومأرب وتعز والحديدة وبقية المحافظات اليمنية. فتح القواعد العسكرية أمام إعادة تنظيم قوات الحرس الجمهوري التي ظلت تلاحق الزبيدي. قال لهم: تعالوا نعمل لمعركة وطنية. نحتاج فقط سبعة أشهر وليس سبع سنوات. قالوا له: أنت تريد القضاء على تجار الحرب؟ فحرفوا مسار الحرب، وأصبح من كان يحمل لواء تحرير اليمن من الحوثيين خائناً وعميلاً، في حين أصبح قاتل النساء والأطفال بالضربات الخاطئة هو الحاكم بأمر السعودي.
هل انتهى عيدروس الزبيدي؟ لا، لم ينتهِ. وهو اليوم غائب، لكن حضوره الحتمي سيكون بنهاية هذه النتوءات. ألم أقل لكم إنها نتوءات، وأن الرجل الزعيم وهو اليوم يعيد قراءة المعركة التي خسرها؟ خاض تجربة نجح فيها وخسر. نجح تحرير كامل التراب الجنوبي، وخسر نتيجة تفاوت القدرات العسكرية. خاض المعركة، كسب في جولتها الأولى وخسر الجولة الثانية. لكن الجولة الثالثة ستكون حاسمة، يدرك حساباتها. إما أن ينتصر فيها كزعيم بطل، أو يسقط شهيداً سيخلده التاريخ كما خلد من سبقه من زعماء قادوا أوطانهم نحو التحرر والانعتاق. للجنوب زعيماً وقائداً فذاً يعيد رسم فصول المعركة الحاسمة، لكن الخونة سيجدون أنفسهم أمام معادلة مؤلمة. سيدركون أن "الخيانة" داء ليس له علاج، وخطيئة لا تقبل التوبة.
رأيت في الزبيدي زعيماً حين خاض المعركة وفي الهزيمة والنكسة. وأراه زعيماً اليوم في هذا المشهد. زعيماً حين يعتقد خصومه أن إنزال صوره ومحاولة إحراقها ينهيه. لم أره زعيماً وحدي، بل يراه السواد الأعظم من هذا الشعب، الشعب المكلوم الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الاستقلال الوطني. خسر الزبيدي المعركة، لكن الشعب يدرك طبيعة الحروب. القضايا الوطنية تظل كبيرة بشعبها الوفي المخلص، أما القادة الحقيقيون فهم من يتصدرون التاريخ أحياءً وأمواتاً.