عدن تايم/ وام
انتهت إحدى المعارك الدائرة في اليمن في الأول من
شهر أكتوبر 2015 .. بإعلان سيطرة المقاومة والقوات الشرعية اليمنية بإسناد من القوات
المسلحة الإماراتية المشاركة ضمن قوات " التحالف العربي " .. على منطقة باب
المندب وجزيرة ميون في عملية عسكرية خاطفة دامت خمس ساعات وفق قيادات عسكرية يمنية.
وسلطت تلك المعركة الضوء على هذا المضيق
الاستراتيجي وغيره من المنافذ البحرية لليمن التي تحظى بمكانة تاريخية للتجارة الدولية
كما كانت وما زالت منذ قرون بمثابة رئة لليمن والخليج العربي في التواصل الاقتصادي
مع العالم في الغرب والشرق على السواء.
ورغم أن تلك ال
معركة بدت واحدة من سائر
المعارك الاعتيادية المحتدمة في الحرب اليمنية إلا أن أهميتها تفوق غيرها لجهة أنها
حسمت الأمر في موقع استراتيجي مهم ليس لليمن فقط بل للعرب وللعالم نظرا لتحكمه بخطوط
الملاحة البحرية العالمية التي تمر في مضيق باب المندب.
ولعله كان من الضروري أن يقوم خالد بحاح
نائب الرئيس اليمني رئيس الوزراء بزيارة المنطقة بعد يومين فقط من تحريرها ليعلن رسميا
استلام حكومته لهذا المعبر الدولي المهم فالمخاوف كانت جدية على خطوط الملاحة البحرية
العالمية بعد سيطرة جماعة الحوثي المسلحة التي ستمكن حليفتها إيران من توسيع وجودها
في مضيق باب المندب وفي خليج عدن وفي البحر الأحمر فالانقلاب الحوثي مثل خطرا شديدا
على صادرات النفط الخليجية والمنتجات الواردة من دول شرق آسيا والتي تمر جميعها من
قناة السويس.
واعتبر الباحث اليمني الدكتور زياد عبد
الواسع الرصاص .. أن مضيق باب المندب يمثل ممرا مائيا عالميا بالغ الأهمية لكونه منفذ
العبور الأسهل للصادرات النفطية الخليجية إلى دول العالم.
وأشار إلى أن سيطرة القوات المشتركة على
المضيق وجزيرة ميون مثل صفعة مدوية للمخطط الإيراني الهادف إلى فرض السيطرة القسرية
على المضيق الاستراتيجي.
ويقع مضيق باب المندب " 25 إلى 29
كيلومتر عرضا " ما بين سواحل اليمن من الشرق وجيبوتي من الغرب وتقع فيه جزيرة
بريم " ميون " اليمنية والتي تقسمه إلى معبرين شرقي بعرض ثلاثة كيلومترات
قليل العمق/ 30 مترا / وغربي بعرض نحو / 22 / كيلومترا وبعمق حوالي / 300 / متر وهذا
المعبر هو الأكثر اعتمادا لحركة السفن.
وأطلق عليه العرب اسم باب المندب أو
" بوابة الدموع " لأن السفن التي تعبره كانت تتعرض للارتطام بالصخور البارزة
فتحطمها وتفقدها بحارتها حتى إن عائلات البحارة كانت تندبهم عند رحيلهم فسمي باب المندب.
ويمثل مضيق باب المندب أهمية قصوى لليمن
والدول العربية ولدول العالم كافة باعتباره بوابة عبور السفن عبر قناة السويس فإغلاق
هذا المضيق سيحرم الناقلات والسفن من الوصول إلى قناة السويس وسيجبرها على تحويل مسار
إبحارها حول الطرف الجنوبي لإفريقيا وهي رحلة تستمر / 40 / يوما على الأقل.
ومؤخرا حاز مضيق باب المندب اهتمام القوى
الكبرى في العالم بعد سيطرة الحوثيين على المشهد اليمني وتولد المخاوف من وصول إيران
إليه فيما تجوب بالقرب منه البوارج الحربية والأساطيل الأجنبية للدفاع عن مصالحها ولتأمين
الملاحة الدولية.
وقال الدكتور محمد عبد العزيز الكاف الأكاديمي
اليمني المتخصص في الدراسات الاستراتيجية .. إن مضيق باب المندب الذي يربط المحيطين
الهادي والهندي وبحر العرب بخليج عدن يمثل أحد أهم المنافذ البحرية لتدفق الصادرات
النفطية من دول الخليج إلى العالم كما يمثل ممرا مائيا استراتيجيا لعبور ما يزيد على
أربعة ملايين برميل نفط يوميا ما يشكل/ 30 / في المائة من نفط العالم بحيث يبلغ عدد
سفن النفط التي تمر فيه / 21 / ألف قطعة بحرية سنويا وبما يعادل /57 / قطعة يوميا وتمر
منه كل عام /25 /ألف سفينة.
وأشار الدكتور الكاف إلى أن مضيق باب المندب
يمثل الخيار الآمن والبديل الأكثر مرونة لانسيابية حركة الملاحة الإقليمية والدولية
في منطقة البحر الأحمر في حال أغلقت إيران مضيق هرمز .. منوها بأن حرص إيران على فرض
حضورها العسكري في اليمن من خلال دعم جماعة الحوثي الانقلابية يستهدف في المقام الأول
السيطرة على مضيق باب المندب.
من ناحيته قال الدكتور خليل عبد الرب المقرمي
الأكاديمي اليمني المتخصص في علم الجغرافيا إن اليمن تمتلك أفضلية الإشراف على باب
المندب أحد أبرز الممرات المائية في العالم من خلال امتلاكها لجزيرة " ميون
".
واستشهد الدكتور المقرمي على أهمية باب
المندب باستخدامه من قبل قوات البحرية المصرية في حرب أكتوبر 1973 كوسيلة فاعلة لفرض
حصار بحري على " إسرائيل " .. من خلال إغلاق المضيق وهو ما تسبب في إصابة
حركة الملاحة البحرية من وإلى ميناء إيلات بحالة من الشلل.
وتعد اليمن جغرافيا وسياسيا جزءا مهما من
شبه الجزيرة العربية وتمتلك ساحلا بحريا طويلا يحتل أجزاء من سواحل ثلاثة مسطحات مائية
هي " البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب " ويبلغ طول الساحل اليمني على هذه
المسطحات المائية ألفين و/ 500 / كيلومتر تقريبا .
ويقع على هذا الساحل الطويل الكثير من المنافذ
البحرية وهي موانىء ..
عدن والحديدة والمكلا والمخا وبلحاف ونشطون
وقشن سيحوت والضبة وبير علي وذباب والخوخة والصليف ورأس عيسى والخوبة واللحية ورضوم
وميدي.
كما تمتلك اليمن الكثير من الجزر التي تقع
في هذه المسطحات وتتوزع عليها حيث يبلغ عدد هذه الجزر / 182/ جزيرة أهمها مجموعة جزر
أرخبيل سقطرى.
انقلاب جماعة الحوثي المدعومة من إيران
على الشرعية في اليمن مع حليفها الرئيس المخلوع علي صالح استدعى قيام تحالف عربي لدعم
الشرعية للوقوف أمام المد الإيراني في المنطقة ومنذ انطلاق " عاصفة الحزم
" لاستعادة الشرعية أخذت معارك السيطرة على المنافذ البحرية أهمية قصوى في العمليات
العسكرية التي تنفذها قوات التحالف. ومنذ بدء تمددها ومن ثم حربها على الشرعية واجتياح
المدن شرعت ميليشيات الحوثي وصالح بالسيطرة على المنافذ البحرية إلى جانب المنافذ البرية
والجوية لفرض الحصار على المناطق وتأمين إمدادها بالسلاح والمؤن كما في ميناء الحديدة
وميناء ميدي.
يذكر في هذا السياق أن العميد الركن أحمد
عسيري المتحدث باسم تحالف قوات " عملية الحزم " قال يوم / 30 / من شهر مارس
عام 2015 أي بعد خمسة أيام من إطلاق العملية .. أن التحالف أحكم اليوم الاثنين السيطرة
على المنافذ البحرية اليمنية ومنع الدخول والخروج منها إلا بعد التفتيش وذلك بعد استكمال
وصول القطع البحرية.
وأكد العميد عسيري يومها أن قوات التحالف
باتت مسيطرة على جميع المنافذ.. مشيرا إلى أن القوات البحرية التابعة للتحالف ستمنع
تهريب الأسلحة والبشر وتمنع الدخول والخروج إلا بتفتيش مسبق.
وفي الحادي عشر من شهر أبريل 2015 .. فوضت
الحكومة الشرعية في اليمن الحق لقوات التحالف في فرض حظر بحري في المياه الإقليمية
اليمنية ..
وأكدت وزارة الخارجية اليمنية أن قوات التحالف
لن تسمح بمرور سفن غير تلك المحملة بالمساعدات للمدنيين والمقاومة اليمنية واللجان
الشعبية ودعت جميع السفن التجارية والعسكرية وجميع أنواع الزوارق والطائرات التابعة
للسفن العسكرية بعدم دخول منطقة الحظر " إلا بعد أخذ الإذن المسبق من الحكومة
الشرعية ".
وحول أهمية المنطقة عموما .. قال الدكتور
نصر هادي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة عدن .. لقد ازداد الاهتمام بجنوب
الجزيرة العربية في التاريخ الحديث وكانت عدن الساحلية في صدارة المدن التي مثلت هدفا
للأطماع الأجنبية ومثلت إحدى المدن المهمة والاستراتيجية بما لعبته من دور اقتصادي
واجتماعي وثقافي بما تتميز به من موقع استراتيجي وتاريخي.
وأضاف أن دور المدينة لم يقتصر في تاريخها
الحديث فحسب بل استند هذا الدور إلى مكانة عدن في الأزمنة الغابرة فكان كل من يفكر
في السيطرة على المنطقة من القوى الأجنبية والاستعمارية لابد من أن يضع عدن في مقدمة
اهتماماته فهي ليست المدينة الاستراتيجية والمهمة لجنوب الجزيرة العربية فحسب بل إنها
موقع فريد لضمان بسط السيطرة والنفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي على المحيط الهندي
والخليج العربي والبحر الأحمر.
وأضاف أن موقع عدن والمحاط بسلسلة من التلال
التي ساعدتها على أن تكون حصنا وحاجزا طبيعيا من الأمواج والرياح والتقلبات المناخية
المؤثرة في مياه البحر حيث كونت شبه جزيرة عدن في الشرق "عدن الكبرى " مع
شبه جزيرة عدن الصغرى " جبال إحسان " في الغرب ميناء واسع وعميق محمي من
الجهات كافة التي تهب منها الرياح في جميع فصول السنة ومن أمواج البحر الهائجة وبسبب
موقع عدن الاستراتيجي وإطلاله على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ذلك الممر الذي يربط
بين قارات العالم القديم آسيا وإفريقيا وأوروبا كانت عدن مثارا للاهتمامات الدولية
التوسعية.
وذكر هادي أن صراعات حادة وساخنة جرت بين
القوى الأوروبية منذ ظهور الكشوف الجغرافية والسيطرة الاستعمارية منذ أربعينات القرن
الخامس عشر حيث مثلت عدن موقعا للتنافس الدولي منذ عصر النهضة الأوروبية حيث كان للبرتغاليين
السبق 1487 بقيادة كوفلهام باستكشاف المنطقة مرورا بالإنجليز في عام 1605 ثم الهولنديين
1612تلاهم الفرنسيون خلال عام 1709 ومن ثم عودة النشاط البريطاني بعد وصول نابليون
بونابرت إلى مصر عام 1798 والتي تمخض عنها وقوع عدن تحت الاستعمار البريطاني في عام
1938.
ولفت إلى أن أهمية عدن ازدادت بعد حفر قناة
السويس 1869 حيث أصبحت تمثل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وبامتلاكها لمضيق باب المندب
وجزيرة ميون حيث ظهرت أهمية باب المندب العسكرية والسياسية في حرب أكتوبر 1973 ولهذا
لا يمكن أن نفصل موقع عدن الاستراتيجي عن المدخل الجنوبي للبحر الأحمر " باب المندب
" والذي زاد من تلك الأهمية الاستراتيجية والسياسية والعسكرية لمدينة عدن.