آخر تحديث :السبت - 07 مارس 2026 - 03:37 ص

كتابات


وقفة مع الصديق مصطفى نعمان 2

الجمعة - 06 مارس 2026 - 10:56 م بتوقيت عدن

وقفة مع الصديق مصطفى نعمان 2

عدن تايم/خاص

تجنباً للإطالة سأتناول بعضاً (ضئيلاً) مما صدر عن الأخ مصطفى خلال الأيام الأخيرة من خلال حضور المتزايد خلال الأيام الأخيرة على الخارطة الإعلامية اليمنية والعربية.

أ‌. في حديثه إلىى قناة دوتشي فِلِه الألمانية، يقول مصطفى ما معناه إنه ومن خلال لقاءاته مع المسؤولين الألمان لم يلمس أي تفهم لموضوع التراجع عن وحدة اليمن (هذا أمر عادي) لكنه يضيف إن ألمانيا مزاجها وحدوي بعد أن عانت من الانفصال مثل ما عانا اليمنيون.

ليس الأخ مصطفى هو الوحيد الذي يقول هذا الكلام، فقد سبقه إلى هذا الكثير من الجهلة وأنصاف المتعلمين الذين لا يعرفون شيئاً عن تاريخ ألمانيا، بل وقد لا يعرفون عن التاريخ اليمني والجنوبي إلَّا ما جرى تسويقه بعد عام 1994م الأغبر، لكن الأمر المختلف أن الصديق مصطفى نعمان يفترض أن يكون عارفاً بأن ألمانيا لم تتعرض للتجزئة إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وانقسام العالم إلى معسكرين ودخول العالم عصر الحرب الباردة، وزيادةً في المعلومات فقد كانت ألمانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر جزءً رائداً في الإمبراطورية البروسية، التي كانت تشمل إلى جانب ألمانيا الحالية مناطق أخرى خارج ألمانيا الحالية منها مناطق روسية وبولندية ومجرية ولتوانية، أما اليمن فقليلون يمكن أن يتذكروا متى كانت يمناً واحداً، وكل من يدرس التاريخ الحديث والوسيط يعلم أن مسألة "وحدة اليمن" كانت حلماً وطنياً وقومياً رومانسياً نبيلاً، يعبر عن التوق إلى الوحدة القومية العربية التي يفترض أن تكون ضمانةً للتقدم والنهوض والحرية والكرامة الإنسانية واحتلال الوطن العربي المكانة اللائقة به اقتصادياً وعلميا وحضارياً وعسكرياً وإسهاما في بناء المجتمع الحضاري العالمي بالشراكة مع البلدان والإمبراطوريات الرائدة في العام.

نعم لقد كانت هناك دول وإمبراطوريات عظمى وحدت اليمن مع كل الجزيرة العربية وبلاد بابل والشام ووصل نفوذها إلى آسيا الوسطى وحدود الصين كما في عهد الملك الحميري شمر يهرعش (250-312م) والملك السبأي أسعد الكامل (370-450م) وغيرهما، ولم تكن تسمى بــ"وحدة الشطرين" لأن الشطرين لم يكن لهما وجودٌ في واقع الحياة على الأرض، لكن آخر محاولة لنشر المذهب الزيدي في سلطنات الجنوب من الصثيحة ولحج حتى حضرموت وفي كل المناطق التي تتبع المذهب الشافعي، كانت في عهد القاسميين، وقد لاقت هذه المحاولة مقاومة عنيفة وعنيدة على مدى سنوات انتهت بهزيمة المشروع القاسمي وعودة سلطنات الجنوب مستقلة عن بعضها لكنها كانت متعاونةً متآخيةً مع بعضها البعض، وحتى الاستعمار البريطاني لم ينجح في توحيدها تحت إدارته من خلال محاولة ما سمي بـ"الاتحاد الفيدرالي لإمارات الجنوب العربي " حيث رفضته أهم ثلاث سلطنات وأكثرها اتساعاً ومساحةً وهي سلطنات القعيطي والكثيري وبن عفرار (المهرة وسقطرى) وتمردت عليه بعض السلطنات التي حاول الاستعمار إجبار قياداتها على الانخراط فيه بالقوة كما هو الحال مع السلطان محمد بن عيدروس العفيفي سلطان يافع بني قاصد ، التي لم تدخل في الاتحاد ومعها سلطنة يافع بني مالك بقيادة السلطاننين محمد بن صالح بن هرهرة وفضل بن محمد بن هرهرة، ولم يعرف الجنوب الدولة الواحدة إلا بعد الاستقلال ورحيل المستعمر في العام 1967م، وعلى العموم فما ينطبق على غزوة الإمام القاسم للجنوب ينطبق على غزوتي 1994م و 2015م.

باختصار إن إسقاط تجربة ألمانيا على الحالة اليمنية هو محاولة بائسة لاستدعاء التشابه بين حالتين لا تشابه بينهما في شيء وهو أمر لا يقوم به إلا الجهلة أو مزورو التاريخ، ولا أخال الأخ مصطفى واحدٌ من الفئتين.

ب‌. يقول مصطفى إن المجلس الانتقالي يتمتع بأكبر كتلة وزارية في مجلس الوزراء

وقبل مناقشتي لهذه النقطة أشير إلى أنني لست معنيا بالدفاع عن الأخطاء التي ربما تكون قيادة المجلس الانتقالي قد وقعت فيها، فلدي الكثير من الملاحظات عبرت عنها من خلال المنشورات والرسائل غير المنشورة والأحاديث علي يوتيوب، لكن هناك فرق بين الأخطاء التي هي من طبع البشر وبين الجرائم التي ارتكبها غزاة 1994م و2015م في حق الجنوب والجنوبيين، وأخطاء الانتقالي لا تبرر الافتراء وتزييف الحقائق والابتهاج بإدانة من يتصوره البعض طرفاً مهزوما، لأن إدانة المهزوم هي أسهل عمل يمكن القيام به، لكنها ليس من سمات الشرفاء والمؤمنين بالحقيقة، حلوةً كانت أم مرةً.

القول بأن المجلس الانتقالي كان يتمتع بأكبر كتلة وزارية قول مجافي للحقيقة وقد سبق وإن توقفت عنده في أحد رسائلي عبر خدمة البث المباشر على فيس بوك، فمن بين 24 وزيراً فيما سمي بـ"حكومة المناصفة" كان لدى حزب الإصلاح ومرادفاته (وزراء النهضة والرشاد وعلي محسن) أكثر من ثمانية وزراء، ومثله حزب المؤتمر الذي له وزراء في الجنوب والشمال ووزراء الرئيس، لكن الأهم هو إن كل هؤلاء هم من جماعة "الوحدة أو الموت " كانوا في مواجهة وزراء المجلس الخمسة، فإين هي الكتلة البرلمانية الأكبر يا سعادة السفير؟

وهناك حقيقة ثانية لم يعرها أحد الاهتمام المفترض، بما في ذلك الزملاء في قيادة المجلس الانتقالي، وهي إن كل الحكومات منذ 2015م، تحكم الجنوب دون سواه من المحافظات، بموارده المادية وبتكوينتيه الديمغرافية والجغرافية، وهو ما يقتضي أن تكون كل الحكومة من أبناء الجنوب، وقد أثبتت مشاركة وزراء من الأشقاء الشماليين النازحين بين عمَّان وإسطنبول والقاهرة والرياض، أن وجود هؤلاء لم يكن سوى وجوداً تمثيلياً حيث لم يقدم بعضهم شيئاً للأرض والناس الذين يتقاضى رواتبه الهائلة من مواردهم.

وهناك حقيقة ثالثة يرفض الكثير من الأشقاء الشماليين الإقرار بها، وهي أن للشمال حكومة ومجلس سياسي ووزراء وجميعهم من أبناء الشمال، وأعني حكومة الحوثيين (الوحدويين) الذين يبشر الصديق مصطفى بالتحالف معهم ضد الجنوبيين (الانفصاليين).

وفي كل الأحوال فإن الحديث عن أكبر أو أصغر كتلة وزارية لم يعد ذا قيمة فقد تمكن تحالف (الوحدويين) من دحر جميع وزراء الانتقالي والتخلص منهم، ومن تبقى في الحكومة الجديدة ممن كانوا محسوبين على الانتقالي هم من الذين شاركوا في بيان الرياض، المعروف، وبالتالي فوجودهم يعبر عن أنفسهم وليس عن المجلس الذي زعموا بأنهم قد حلوه.

وللحديث بقية في وقفة قادمة