في زمن تتزاحم فيه التحديات الثقافية والاجتماعية، وتتنافس فيه المؤثرات المختلفة على عقول الشباب واهتماماتهم، تبرز مثل هذه المناسبات القرآنية لتؤكد أن المجتمع ما يزال متمسكًا بجذوره وقيمه الأصيلة. فقد شهدت مدينة الجابية بمديرية عتق في محافظة شبوة، اليوم الجمعة 24 رمضان 1447هـ، حفلًا لتكريم أولياء أمور 11 حافظًا وحافظةً لكتاب الله الكريم في جامع الجابية، بإشراف دار الجابية لتعليم القرآن وعلومه.
هذا الحدث لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد احتفال رمزي، بل هو رسالة تربوية واجتماعية عميقة تعكس قيمة القرآن في حياة المجتمع، ودوره في بناء الإنسان الصالح.
فحفظ كتاب الله ليس إنجازًا فرديًا فحسب، بل هو ثمرة جهد جماعي تشارك فيه الأسرة والمعلم والمؤسسة التعليمية، ليخرج لنا جيل يحمل في قلبه نور القرآن ويهتدي به في سلوكه وحياته.
إن تكريم الحافظين والحافظات وأولياء أمورهم يحمل في طياته تقديرًا لدور الأسرة التي آمنت بأن أفضل ما يمكن أن تقدمه لأبنائها هو الارتباط بكتاب الله. فالأب والأم اللذان يوجهان أبناءهما نحو حلقات التحفيظ ويصبران معهم في رحلة الحفظ إنما يزرعان فيهم قيم الانضباط والالتزام والسمو الأخلاقي.
كما أن هذا التكريم يسلط الضوء على الدور الكبير الذي تقوم به دور القرآن ومعلموه، الذين يواصلون جهودهم بصمت وإخلاص من أجل تعليم كتاب الله وتربية الأجيال على تعاليمه. فالمعلم القرآني لا يعلّم الحروف والآيات فحسب، بل يساهم في بناء شخصية الطالب، ويغرس فيه قيم الصدق والأمانة وحب الخير.
وفي واقعنا المعاصر، حيث تتسارع التغيرات وتكثر المؤثرات، يصبح الاهتمام بحفظ القرآن وتعليمه ضرورة تربوية قبل أن يكون واجبًا دينيًا. فالقرآن الكريم يرسخ في النفوس معاني الرحمة والعدل والتسامح، ويمنح الإنسان بوصلة أخلاقية توجه سلوكه في مختلف جوانب الحياة.
إن تكريم الحافظين والحافظات في الجابية يمثل نموذجًا مشرفًا لما يمكن أن تصنعه الإرادة المجتمعية عندما تتوحد حول هدف نبيل. وهو في الوقت نفسه دعوة لبقية المؤسسات والأسر إلى الاهتمام بتعليم القرآن وتشجيع الأبناء على حفظه، لما لذلك من أثر عظيم في بناء مجتمع متماسك يقوم على القيم والأخلاق.
وفي النهاية، تبقى مثل هذه المبادرات رسالة أمل بأن مستقبل الأمة ما يزال بخير، ما دام فيها أبناء يحفظون كتاب الله، وأسر تؤمن برسالته، ومؤسسات تسعى إلى غرسه في القلوب والعقول. فالقرآن الكريم سيظل دائمًا النور الذي يهدي الأجيال، ويصنع الإنسان الصالح القادر على بناء مجتمعه وخدمة أمته.
الصحفي صالح حقروص
2026/3/13م