آخر تحديث :الخميس - 11 يونيو 2026 - 05:53 م

كتابات واقلام


السعودية واليمن بين الشك ويقين الكراهية

الخميس - 11 يونيو 2026 - الساعة 05:53 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


في العلاقات بين الدول قد يختلف الجيران، وقد يتخاصمون، وقد تنشأ بينهم نزاعات حدودية أو سياسية، لكن أن يعيش جارٌ قلقاً من جاره إلى هذا الحد، وأن يتحول الخوف منه إلى عقيدة سياسية ثابتة، فتلك قصة تستحق التأمل.
منذ عقود طويلة، تبدو العلاقة بين السعودية واليمن وكأنها علاقة رجل ثري يسكن بجوار بيت فقير، لكنه لا يكف عن النظر إلى ذلك البيت بخوف وريبة، وكأن الفقر نفسه مؤامرة، وكأن الجار المعدم يخطط كل ليلة لسرقة القصر الذي لا يستطيع حتى دفع فاتورة الكهرباء فيه.
اليمن بالنسبة للسعودية لم يكن يوماً مجرد دولة مجاورة، بل ظل هاجساً مزمناً. دولة تراقبها الرياض أكثر مما تراقب أحياناً بعض خصومها البعيدين. تتغير الحكومات في اليمن، وتتبدل الأنظمة، وتتبدل الشعارات والرايات، لكن الشك السعودي يبقى ثابتاً لا يتزحزح، كأنه بند دائم في السياسة الخارجية لا يقبل التعديل أو المراجعة.
الغريب أن اليمن لم يكن في أغلب مراحل تاريخه الحديث مصدر تهديد حقيقي للسعودية. كان مشغولاً بحروبه وأزماته وفقره وصراعاته الداخلية، لكنه مع ذلك ظل يُعامل باعتباره مشروع خطر مؤجل، أو قنبلة ديموغرافية يجب إبقاؤها تحت السيطرة.
ولأن الشك لا يستطيع العيش وحده، فقد أنجب معه توأماً أكثر قسوة اسمه التدخل.
فكلما حاول اليمن أن يقف على قدميه، ظهر من يمد له يد المساعدة بطريقة تشبه كثيراً المصارع الذي يساعد خصمه على النهوض فقط ليكمل ضربه. وكلما ظهرت نخبة سياسية أو اجتماعية أو قبلية، وجدنا الأموال تتدفق، والولاءات تُشترى، والاصطفافات تُعاد هندستها، وكأن المطلوب دائماً أن يبقى اليمن واقفاً على حافة التعثر دون أن يسقط تماماً أو ينهض تماماً.
ولعل المأساة الكبرى أن السياسة السعودية تجاه اليمن لم تنجح حتى في تحقيق ما كانت تسعى إليه. فبعد سنوات طويلة من النفوذ والتدخل والحروب والتحالفات المتبدلة، لم يتحقق الاستقرار الذي كانت تتحدث عنه، ولم تتبدد المخاوف التي كانت تبرر بها سياساتها، بل ازداد اليمن اضطراباً، وازدادت الحدود قلقاً، واتسعت دائرة عدم الثقة بين الشعبين.
وحين تتحدث الرياض اليوم عن حسن الجوار، واحترام السيادة، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، يجد اليمنيون أنفسهم أمام مفارقة يصعب تجاهلها. فهذه مفاهيم جميلة جداً في الخطب السياسية، لكنها تبدو أكثر جمالاً عندما تتحول إلى أفعال لا إلى بيانات.
فحسن الجوار لا يعني أن تحب جارك، بل أن تتركه يعيش حياته دون أن تدير تفاصيلها. ولا يعني أن تمنحه المال لتحدد له كيف يفكر، ولا أن تدعم هذا الطرف اليوم وتحارب الطرف نفسه غداً، ولا أن تزرع الانقسامات ثم تستغرب كثرة الشقوق في الجدار.
لقد أنتجت عقود الشك المتبادل واقعاً مؤلماً. السعودية تنظر إلى اليمن بعين الريبة، واليمنيون ينظرون إلى السعودية بعين التجربة. وبين الريبة والتجربة ولدت مسافة طويلة من عدم الثقة، حتى أصبح كثير من اليمنيين لا يرون في المواقف السعودية سوى استمرار لسياسة قديمة تعتبر اليمن ساحة نفوذ لا دولة ذات سيادة.
وربما تكمن المعضلة الحقيقية هنا: فالسعودية لم تنجح في أن تجعل اليمن صديقاً مطيعاً، بينما نجحت، إلى حد بعيد، في أن تجعل كثيراً من اليمنيين ينظرون إليها باعتبارها جارة قوية لا تثق بجارها الضعيف، ولا تسمح له في الوقت ذاته بأن يصبح قوياً.
إنها علاقة مشوية على نار القلق منذ عقود. قلق سعودي من يمن لم يتوقف عن النزيف، ويقين يمني بأن معظم جراحه لم تكن بعيدة عن أصابع الجار.
وهكذا تستمر الحكاية: جار يخشى جاره أكثر مما يفهمه، وجار يتذكر من الأذى أكثر مما يتذكر من المعروف، وبينهما حدود طويلة، لكنها لم تكن يوماً أطول من المسافة التي صنعتها السياسة في القلوب.