رحل اليوم أول أيام عيد الأضحى المبارك 27 مايو 2026م (10 ذو الحجة 1447هـ)، فقيد الوطن السياسي والصحفي الكبير سالم محمد الحاج، بعد معاناة طويلة مع المرض.
عرفت الأستاذ سالم عن قرب، وكانت تربطنا به علاقات تواصل مباشر. لم يكن بعيداً عن الجيل الجديد، بل كان يستمع، يناقش، ويوجّه. عرفناه من خلال كتاباته ومن خلال تواصله الشخصي، فكان الأثر مضاعفاً: درسٌ في الصحافة، ودرسٌ في التواضع والإنصات. عمل كسكرتير صحفي للرئيس الشهيد سالم ربيع علي "سالمين"، ورئيساً لتحرير صحيفة المساء وعدد من الصحف الأخرى. لم يكن المنصب عنده وجاهة، بل كان مدرسة يدرّس فيها معنى الالتزام المهني في زمن كان فيه القلم أثقل من السيف.
وكان قائداً للعمل الطلابي في زنجبار/أبين، ثم انتقل إلى بلاط الصحافة ليقودها بنفس الروح. لم يفصل يوماً بين العمل الوطني والعمل الصحفي. كان يرى أن الكلمة مسؤولية أمام الناس، وأن الحياد لا يعني الصمت، وأن الدقة أمانة لا تُساوَم عليها.
ما شدّني إليه ليس فقط تاريخه الطويل، بل ذلك الوقود الذي كان يمنحه لكل من اقترب من تجربته. روحه الوقادة كانت درساً مفتوحاً في أن الصحافة لا تُمارَس كوظيفة، بل كرسالة. شغفه بالمهنة كان عدوى حميدة تنتقل لمن حوله، وخبراته كانت زاداً يومياً لمن أراد أن يتعلم كيف يُكتب الخبر، وكيف يُصان شرف المهنة.
لم أكن زميله في مكتب أو قاعة تحرير، وإنما زميله في المهنة وتلميذه في الميدان. كنا ونحن حديثي السن نستلهم أفكارنا في العمل الصحفي من تجربته، وننظر إليه كأستاذنا، كهامة إعلامية كبيرة سبقتنا في الطريق وفتحت لنا الباب.
من غير اللائق أن نقارن أنفسنا بتاريخه الطويل المليء بالعطاء الوطني في الصحافة. هو جيل بنى المؤسسات الصحفية في ظروف صعبة، وحمل القلم حين كان الموقف يكلّف أكثر من الكلمة. كنا نحن نتلمس خطواتنا الأولى، وهو كان قد وثّق مراحل كاملة من تاريخ الوطن.
اليوم، ونحن نودّعه، لا نبكيه كزميل غادر، بل نرثيه كقامة فقدها المشهد الإعلامي اليمني. فقدنا ذاكرة حيّة، ومدرسة في الصبر والمثابرة، وصوتاً كان يذكّرنا دائماً أن الصحافة وجدت لتكون لسان الناس، لا لسان السلطة.
سنمضي في الطريق الذي رسمتموه لنا. سنخطئ ونتعلم، ونسقط وننهض، لكننا سنحمل معنا دائماً وقود زادنا اليومي الذي أخذناه منك: شغف الصحافة، ونبل الكلمة، وإخلاص الموقف.
إنا لله وإنا إليه راجعون.