استوقفتني مقولة صاغتها الدكتورة والأديبة الجنوبية صوفيا الهدار، بدت قصيرة في كلماتها، لكنها عميقة في معناها، حين كتبت:
“قد يكفر الإنسان يوماً بالوطن، ولكن إذا ما رأى تكالب الأعداء، استيقظ إيمانه”.
ليست مجرد عبارة عابرة، بل نصٌّ مكثف يختصر مأساة المواطن الجنوبي حين تتراكم فوقه الخيبات، فيظن أنه ابتعد عن وطنه، بينما يظل الوطن كامناً في أعماقه، ينتظر لحظة الاستيقاظ.
فالأوطان الحقيقية لا تختصرها السلطة ولا الشعارات، بل تسكن في الذاكرة والوجدان، وترتبط بإحساس الإنسان بالكرامة والانتماء. وقد يضيق الإنسان بوطنه أحياناً بسبب الألم أو الظلم أو الانكسارات المتتالية، لكنه حين يرى الأخطار المحدقة به، والمؤامرات التي تستهدف شعبه وهويته، يعود ذلك الإيمان القديم ليظهر من جديد، وكأن الانتماء كان نائماً تحت ركام التعب والخذلان.
تكمن قوة هذه المقولة في أنها جمعت بين البعد الإنساني والوطني في صياغة قصيرة ومؤثرة. كما أن استعمال كلمة “يكفر” جاء بصورة مجازية قوية تعكس حجم الألم الداخلي، قبل أن تنتقل العبارة تدريجياً نحو استعادة الإيمان والانتماء. وهذا التدرج الشعوري منح النص بعداً أدبياً وتأملياً واضحاً.
ولعل ما يميز الأديبة هدار أنها لا تقدم خطاباً سياسياً مباشراً، بل توظف الأدب كوسيلة للتوعية وبناء الوعي الإنساني والوطني. فهي تكتب عن الحرب والمرأة والذاكرة والانكسار الإنساني بلغة تميل إلى "التكثيف والرمزية " أكثر من السرد التقليدي، الأمر الذي يمنح نصوصها المختزلة طابعاً شعورياً وتأملياً خاصاً.
وفي أعمالها يظهر الأدب بوصفه مساحة للدفاع عن الإنسان، ومحاولة لحماية الذاكرة الجماعية من التآكل. فهي تدرك أن معركة الشعوب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل تُحسم أيضاً بالوعي، وبقدرة الأجيال القادمة على فهم تاريخها ومعنى هويتها.
ومن هنا يبرز دور المثقف الحقيقي، الذي يحول الكلمة إلى فعل هادئ وعميق التأثير. فالدكتورة الهدار لا تكتفي من خلال حضورها الثقافي والإنساني، بالكتابة بوصفها إبداعاً فردياً، بل تجعل منها رسالة تسعى إلى غرس روح الانتماء وحب الوطن في وجدان الأطفال والشباب، إيماناً منها بأن حماية الهوية تبدأ من بناء الوعي.
يبدو لي أن تجربتها تنتمي ليس فقط إلى الأدب الوجداني الإنساني، بل تحمل أيضاً بعداً اجتماعياً ووطنياً واضحاً، يجعلها من الأصوات النسائية الجنوبية التي توفقت في الجمع بين الأدب والوعي الثقافي والإنساني.و تثبيت الهوية الجنوبية