برحيل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، طُويت صفحة سياسية ارتبطت بواحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ اليمن والجنوب على وجه الخصوص. وبين من يراه أحد أسباب ما حدث للجنوب منذ حرب 1994، ومن يعتبره شخصية لعبت دورًا مهمًا في إحداث تغييرات سياسية وعسكرية لاحقًا، تبقى الحقيقة أن الرجل كان جزءًا من مرحلة مليئة بالصراعات والتناقضات، ولا يمكن قراءتها بعاطفة مجردة أو باختزال شديد.
لا يمكن إنكار أن عبدربه منصور هادي كان أحد القيادات الجنوبية التي وقفت إلى جانب نظام علي عبدالله صالح خلال حرب صيف 1994، وهي الحرب التي شكّلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ الجنوب، بعدما انتهت بإسقاط مشروع الدولة الجنوبية وفرض الوحدة بالقوة العسكرية. وقد جاءت تلك المرحلة نتيجة تراكمات سياسية وصراعات داخلية جنوبية سابقة، خصوصًا أحداث 13 يناير 1986 التي فتحت الباب أمام استغلال الانقسامات الجنوبية من قبل نظام صنعاء، الذي أدرك مبكرًا أن إضعاف الجنوب يبدأ من تفكيك جبهته الداخلية.
لقد استخدم نظام صالح القيادات الجنوبية المنضوية تحت جناحه كأدوات سياسية وعسكرية لتعزيز نفوذه، ثم منح بعضها مناصب شكلية بعد الحرب لتقديم صورة أمام المجتمع الدولي بأن الجنوبيين شركاء في السلطة، بينما كانت مراكز القرار الفعلية بعيدة عنهم. وفي خضم تلك المعادلة بقي عبدربه منصور هادي نائبًا للرئيس لسنوات طويلة، في موقع سياسي حساس، لكنه محدود الصلاحيات والتأثير ضمن نظام كانت تحكمه شبكة معقدة من مراكز القوى.
غير أن التحولات التي شهدها اليمن بعد ثورة 2011 أوصلت هادي إلى سدة الحكم في ظروف استثنائية، ومع وصوله للرئاسة بدأت ملامح مرحلة مختلفة بالظهور. فقد دخل الرجل في مواجهة مع مراكز النفوذ التقليدية داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، واتخذ قرارات اعتبرها كثيرون محاولة لإعادة ترتيب الدولة وتقليص هيمنة القوى التي سيطرت لعقود على القرار السياسي والعسكري.
وبالنسبة للقضية الجنوبية، يرى قطاع واسع من الجنوبيين أن فترة حكم هادي شهدت تغيرات مهمة، سواء من خلال إضعاف بعض القوى التي ارتبطت بحرب 1994، أو عبر فتح المجال أمام حضور القضية الجنوبية سياسيًا وعسكريًا بشكل أكبر من السابق. ورغم أن تلك المرحلة لم تحقق كل تطلعات الجنوبيين، إلا أنها مثلت بالنسبة للبعض بداية لتحولات أعادت القضية الجنوبية إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل حجم الإخفاقات التي رافقت تلك المرحلة، سواء بسبب الحرب، أو الانقسامات السياسية، أو ضعف مؤسسات الدولة، أو تعقيدات المشهد اليمني والإقليمي. فالتاريخ السياسي لا يُبنى على صورة مثالية، بل على مزيج من النجاحات والإخفاقات، والقرارات الصائبة والخاطئة.
واليوم، وبعد رحيل عبدربه منصور هادي، ربما تكون أهم رسالة يمكن استخلاصها من تلك التجربة هي أن الانقسامات الداخلية كانت ولا تزال أكبر تهديد لأي مشروع وطني جنوبي. فقد أثبتت الأحداث أن القوى المعادية لطموحات الشعوب غالبًا ما تنجح عبر استغلال الخلافات والصراعات الداخلية، وتحويلها إلى أدوات لفرض الهيمنة والسيطرة.
إن الجنوب اليوم بحاجة إلى قراءة هادئة للماضي، بعيدًا عن روح الانتقام أو التخوين، وبحاجة أكثر إلى مشروع وطني يقوم على التفاهم والتسامح وتوحيد الصف. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُبنى بردود الأفعال، وإنما بالإرادة المشتركة والرؤية الواضحة والقدرة على تجاوز أخطاء الماضي.
رحل عبدربه منصور هادي، وبقيت سيرته محل اختلاف بين الناس، لكن المؤكد أن التاريخ سيظل يذكره كشخصية لعبت دورًا مهمًا في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ اليمن والجنوب. أما المستقبل، فإنه سيبقى مرهونًا بقدرة الجنوبيين على التعلم من تجاربهم السابقة، وتوحيد كلمتهم، والعمل نحو تحقيق تطلعات شعبهم في الأمن والاستقرار واستعادة حقوقهم المشروعة.