آخر تحديث :الجمعة - 29 مايو 2026 - 11:41 م

اخبار وتقارير


مستشار قانوني يكتب حول شرعية مجلس القيادة الرئاسي بعد وفاة الرئيس السابق/ عبدربه منصور هادي

الجمعة - 29 مايو 2026 - 11:11 م بتوقيت عدن

مستشار قانوني يكتب حول شرعية مجلس القيادة الرئاسي بعد وفاة الرئيس السابق/ عبدربه منصور هادي

المستشار صالح عبدالله المرفدي

#ومضة دستورية!


يثور الخلاف السياسي حول شرعية مجلس القيادة الرئاسي، بعد وفاة الرئيس السابق/ عبدربه منصور هادي؟

وفي حقيقة الأمر أن هذه مسألة دستورية وسياسية معقدة، والإجابة عليها تختلف بحسب الأساس الذي تُبنى عليه شرعية مجلس القيادة الرئاسي.. وبصرف النظر عن الأمور السياسية، فمن الناحية القانونية والدستورية، يمكن عرض الخلاف في اتجاهين:


#الاتجاه الأول/

لا يسقط شرعية مجلس القيادة بوفاة الرئيس هادي، وهذا الاتجاه يبدو آنه الأقوى دستوريا، ويستند إلى أن الرئيس هادي نقل صلاحياته بموجب إعلان نقل السلطة الصادر في أبريل ٢٠٢٢ إلى مجلس القيادة الرئاسي، هذا النقل اعتُبر تفويضاً ونقلاً للاختصاصات، وليس مجرد وكالة شخصية كغيرها من الوكالات المدنية قابلة للانتهاء بالوفاة.. ومن هذا المنطلق، بعد صدور قرار نقل السلطة أصبح المجلس يمارس السلطة بذاته ككيان مستقل، وأكتسب اعترافاً داخلياً وخارجياً، وهنا الشرعية أصبحت قائمة على الإعلان الدستوري أو القرار المنشئ للمجلس، ومؤيده بالاعتراف المحلي والإقليمي والدولي، وعلى ضوئها مارس مجلس القيادة السلطة الفعلية دون أعتراض.. وبالتالي، فإن وفاة الرئيس هادي – على هذا التصور – لا تُنهي تلقائياً وجود المجلس، لأن الاختصاصات أنتقلت له بالفعل، ولم تعد مرتبطة ببقاء المفوِّض حياً.


#الاتجاه الثاني/

يسقط شرعية مجلس القيادة الرئاسي، مؤسسا رأيه على أن نقل السلطة تم بوكالة من الرئيس هادي، ومن ثم اعتُبر المجلس مجرد وكيل، وهذا رأي يطرحه بعض فقهاء القانون الدستوري أو بعض الخصوم السياسيين، و مؤداه، إذا كان مجلس القيادة مجرد مفوض من الرئيس هادي وليس سلطة أصلية، فإن وفاة الأصيل تنهي التفويض وفقا لقواعد الوكالة في القانون الخاص، وهذا أمر متعارف عليه قانونًا.


#وفي تقديرنا المتواضع/

أن ما يُؤخذ على حجج الاتجاه الثاني، بأن السلطة العامة لا تُدار غالباً بقواعد الوكالة المدنية العادية، فالقرارات السيادية والدستورية لا تنقضي تلقائياً بوفاة من أصدرها؛ إذا كانت قد أنشأت مركزاً دستورياً جديداً، وكان هذا المركز معترف ومتعامل به دوليا.. علاوة على أن اعلان نقل السلطة الذي أصدره ألرئيس هادي حكمه حكم الإعلان الدستوري، الذي طالما يصدر في الحالات الاستثنائية والضرورية لتجارب الدول السابقة، والتي شهدت صراعات داخلية قد تصلها رحاها الى حروب اهليه، ثم أن المتعمق بالالفاظ والعبارات المذكورة في اعلان نقل السلطة، يتضح أن المادة الاولى فقره "أ" من الاعلان، نصت صراحة على الاتي: "وأفوّض مجلس القيادة الرئاسي بموجب هذا الإعلان تفويضاً (لا رجعة) فيه بكامل صلاحياتي وفق الدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية"، ويستفاد من هذة الفقرة، أن التفويض صدر من دون رجعة، ومن ثم تكون هذة العبارات قد قطعت الشك باليقين، واصبح معه هذا التفويض نهائيًا، ولا يصح لمن أصدره الرجوع عنه في حياته، ومن باب اولى لا ينتهي بوفاته.. ولهذا المبررات، نميل - في تقديرنا المتواضع - الى ترجيح ما ذهب اليه مؤيدي الاتجاة الاول؛ باعتبار أن المجلس يمارس سلطة مستقلة مستمدة من قرار نقل السلطة أليه، ومن الاعتراف السياسي والدولي، لا من مجرد وكالة مدنية شخصية قابلة للانتهاء بالوفاة..


#ومما تجدر الاشارة بالقول:

أن هناك اشكالية حول مدى صحة إصدار اعلان دستوري في الحالات الاستثنائية او الضرورية التي تعيشها البلدان، فهل يستوجب النص في دساتيرها على جواز اصدار إعلانات دستورية لهذة المبررات؟

في الفقه الدستوري يوجد مذهبين:

- الاول/

يرى أن أي إعلان دستوري أو تعديل لنظام الحكم، يجب أن يستند إلى نص دستوري قائم؛ لأن الدستور هو أعلى قاعدة قانونية، ولا يجوز تجاوزه إلا بالآليات التي رسمها هو نفسه.. وبالتالي، إذا خلا الدستور من نص يجيز إصدار إعلان دستوري استثنائي، فإن الإعلان يُعد خروجاً على الشرعية الدستورية التقليدية.

- الثاني/

وهو المذهب الأكثر حضوراً في الواقع السياسي العربي، "واليمني على وجه التحديد"، ويقرر أن الظروف الاستثنائية قد تُنشئ “شرعية ضرورة” أو “شرعية توافق سياسي”، فيجوز إصدار إعلان دستوري حتى دون نص سابق؛ إذا كان الهدف منع إنهيار الدولة، أو سد الفراغ الدستوري، أو انتقال السلطة، أو إنهاء نزاع داخلي.

وتطبيقا لما تقدم، وفي الحالة اليمنية تحديداً، فقد صدرت "المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ثم إعلان نقل السلطة سنة ٢٠٢٢"، ولم يستندا الى نص دستوري يمنح سلطة إصدار “إعلان دستوري” بهذا المعنى، وإنما استندتا إلى حالة الضرورة السياسية والدستورية، بالاضافة الى التوافق الداخلي والإقليمي، وكذا الاعتراف الدولي، والأهم من هذا إستمرار مؤسسات الدولة في التعامل معها كأساس شرعي انتقالي.. ولذلك، نرجح وصف تلك التشريعات، بأنها "تشريعات الضرورة، صادرة من سلطات شرعية ضرورية”، أكثر من كونها تطبيقاً حرفياً لنص دستوري قائم.. على أن تبقى نصوص الدستور الاساسي سارية النفاذ والالزام، ماعدا بعض النصوص الدستورية التي تتعارض مع نصوص الاعلانات الدستورية.. والله أعلم واعلى وفوق ذي كل علم عليم!


اللهم أرحم الرئيس هادي، وأغفر له، وتجاوز عن سيئاته، وأجزه بخير ما عمل، وأسكنه فسيح جناته، وانا لله وانا اليه راجعون.

المستشار

صالح عبدالله المرفدي