آخر تحديث :الإثنين - 13 يوليو 2026 - 07:32 م

كتابات واقلام


بين صنعاء والحديدة... من يحاول إنقاذ الرواية السعودية؟

الإثنين - 13 يوليو 2026 - الساعة 06:34 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


حين قصفت الطائرات السعودية مدرجات مطار صنعاء، كان الهدف المعلن هو منع هبوط الطائرة الإيرانية القادمة وعلى متنها وفد من جماعة "أنصار الله" (الحوثيين). وقد بدا المشهد، في لحظته الأولى، وكأن الرياض أرادت أن تبعث برسالة حازمة بأنها لن تسمح بكسر إرادتها أو تجاوز قراراتها.

لكن ما حدث بعد ذلك أربك الرواية بأكملها.
فالطائرة الإيرانية لم تعد أدراجها، ولم تستجب لما أُريد لها أن تفعله، بل واصلت رحلتها، وغيرت وجهتها إلى مطار الحديدة، حيث هبطت بسلام، في مشهد بدا وكأنه تحدٍ مباشر للإجراءات السعودية.

وهنا خرجت الرواية السعودية الثانية، لتقول إن السماح للطائرة بالهبوط في الحديدة جاء "لدواعٍ إنسانية".

وهنا تبدأ الأسئلة التي لم تجد حتى الآن إجابة مقنعة.
إذا كانت الطائرة تمثل تهديدًا يستوجب قصف مدرجات مطار صنعاء، فما الذي تغيّر خلال دقائق حتى أصبحت تستحق "استثناءً إنسانيًا" يسمح لها بالهبوط في الحديدة؟
وما الفرق، عمليًا، بين أن تهبط الطائرة في صنعاء أو في الحديدة، وكلا المطارين يقعان في مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين؟
هل كان الخطر في المدرج أم في الطائرة نفسها؟
وهل تنتقل "الدواعي الإنسانية" مع تغيير إحداثيات الهبوط من مدينة إلى أخرى؟

إن كانت الطائرة تشكل خطرًا، فمن المنطقي منعها من الهبوط في أي مطار داخل مناطق سيطرة الحوثيين. وإن كانت لا تشكل خطرًا، فلماذا جرى قصف مطار صنعاء أصلًا؟
هذه التناقضات تجعل الرواية السعودية أقرب إلى محاولة ترميم صورة إعلامية أكثر من كونها تفسيرًا منطقيًا لما جرى على الأرض.
لكن المفارقة الأكبر لم تكن في صنعاء ولا في الحديدة، بل في عدن.

فبينما كان الجميع يتابع ما يجري شمالًا، سارعت السعودية إلى إغلاق مطار عدن وتعليق الرحلات منه، وكأن المدينة هي طرف في المواجهة، أو أنها مسؤولة عن قصف مطار صنعاء.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا:
ما علاقة مطار عدن بما حدث؟
هل عدن هي التي قصفت مطار صنعاء؟
أم أن السعودية، وهي التي نفذت القصف، تخشى أن يكون الرد الحوثي موجّهًا نحو عدن بدلًا من الجهة التي اتخذت القرار؟
إذا كانت الرياض تدرك احتمال وقوع رد عسكري، فلماذا تُحمّل عدن تبعات قرار لم تتخذه، وتجعلها تدفع ثمن حسابات لا علاقة لها بها؟

إن إغلاق مطار عدن لا يوحي بحماية المدينة بقدر ما يكشف عن إدراك سعودي بأن الرد قد يطال مناطق نفوذها، وأن عدن أصبحت، مرة أخرى، تدفع فاتورة سياسات لا تصنعها.
في السياسة، قد تنجح البيانات في تأجيل الأسئلة، لكنها لا تلغيها.
أما الوقائع، فهي تقول إن الطائرة وصلت، والوفد دخل، ومدرج صنعاء قُصف، ومطار عدن أُغلق... بينما بقيت الرواية السعودية تبحث عمن يصدقها.