آخر تحديث :السبت - 30 مايو 2026 - 12:10 م

كتابات


من الشراكة إلى أزمةالمشروعية : قراءة قانونية في مستقبل الجنوب و مجلس القيادة الرئاسي

السبت - 30 مايو 2026 - 02:12 ص بتوقيت عدن

من الشراكة إلى أزمةالمشروعية : قراءة قانونية في مستقبل الجنوب  و مجلس القيادة الرئاسي

البرفيسور توفيق جزوليت

أصبح المشهد اليمني اليوم أمام تحولات عميقة تتجاوز مجرد إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل السلطة، لتلامس سؤال الشرعية ذاته، وحدود قدرتها على الاستمرار في ظل المتغيرات المتسارعة. فوفاة الرئيس عبدربه منصور هادي، بعد أن كان قد فوّض صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، شكّلت لحظة فارقة أعادت فتح النقاش حول الأسس القانونية والسياسية التي تستند إليها “الشرعية” القائمة.


لقد قامت مشاورات الرياض أساسًا على مبدأ الشراكة بين القوى الفاعلة، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي مثّل الإطار السياسي الأبرز للقضية الجنوبية. ولذلك، فإن أي حديث عن إقصاء المجلس الانتقالي أو تفكيكه لا يُفهم جنوبيًا باعتباره مجرد خلاف سياسي، بل باعتباره نسفًا لأحد أهم الأعمدة التي قامت عليها التفاهمات السياسية الأخيرة.


وفي هذا السياق، تبدو “الشرعية” اليمنية اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فهي كانت تعاني أصلًا من أزمة تمثيل وضعف حضور مؤسساتي على الأرض، لكنها بعد غياب الرئيس هادي فقدت كذلك أحد أبرز الرموز التي كانت تمنحها غطاءً سياسيًا وقانونيًا، حتى وإن كان محل جدل واسع.


غير أن تعقيد المشهد لا يرتبط فقط بالأزمة الداخلية اليمنية، بل أيضًا بطبيعة المواقف الإقليمية، وعلى رأسها موقف المملكة العربية السعودية التي ما تزال تتعامل مع مجلس القيادة الرئاسي باعتباره الإطار الرسمي المعترف به لإدارة المرحلة الانتقالية. ومن منظور الرياض، فإن الحفاظ على هذا الإطار يرتبط باعتبارات الأمن الإقليمي ومنع انهيار الدولة اليمنية بشكل كامل، أكثر مما يرتبط بحسم نهائي لشكل الدولة المستقبلية.


في المقابل، يدرك قطاع واسع من الجنوبيين أن قضيتهم لم تعد مجرد ملف ثانوي يمكن تأجيله أو تجاوزه ضمن تسويات مؤقتة، بل أصبحت قضية سياسية قائمة بذاتها فرضتها التحولات العسكرية والسياسية منذ عام 2015. كما أن العودة إلى ما قبل تلك المرحلة تبدو اليوم شديدة الصعوبة، سواء على المستوى الشعبي أو الواقعي.


مستقبل الجنوب لن يتحدد فقط عبر المواقف الإقليمية أو الدولية، بل سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الجنوبيين أنفسهم على إدارة خلافاتهم الداخلية، وبناء مؤسسات سياسية وإدارية أكثر فاعلية، وتقديم مشروع دولة قادر على إقناع الداخل والخارج معًا بأنه يمثل خيارًا للاستقرار لا مدخلًا لصراعات جديدة.


كما أن نجاح أي مشروع جنوبي مستقبلي سيظل مرتبطًا بمدى القدرة على الجمع بين الثبات على الهدف السياسي، والمرونة في إدارة العلاقات مع القوى الإقليمية الفاعلة، خصوصًا السعودية والإمارات، ضمن مقاربة تقوم على البراغماتية السياسية دون التفريط بالثوابت الوطنية الجنوبية.


وفي المحصلة، يبدو أن اليمن عمومًا، والجنوب خصوصًا، يقفان أمام مرحلة إعادة تشكّل سياسي قد تكون الأطول والأكثر تعقيدًا منذ عقود. فالقضية الجنوبية لم تعد مجرد مطلب احتجاجي، بل تحولت إلى عنصر أساسي في أي معادلة سياسية مقبلة