حين تُمنح الجوائز للكبار فإنها لا تضيف إلى رصيدهم بقدر ما تستمد منهم قيمتها ومعناها، وهذا ما ينطبق تماماً على الأستاذ محمد محسن العمري، أحد الرجال الذين تركوا بصمتهم في العمل الوطني والإداري والإنساني، وظلوا أوفياء لقيمهم ومبادئهم مهما تبدلت الظروف وتعاقبت المراحل.
عرفت الدولة العمري في مواقع قيادية رفيعة، وكان من الشخصيات التي تقلدت مسؤوليات كبيرة بكل كفاءة واقتدار، فقدم نموذج المسؤول الذي ينظر إلى المنصب باعتباره تكليفاً لا تشريفاً، ووسيلة لخدمة الناس لا سلماً للمكاسب الشخصية. ولذلك ظل اسمه حاضراً في ذاكرة من عملوا معه وعرفوه عن قرب، بما امتلكه من نزاهة وحكمة واتزان وقدرة على كسب احترام الجميع.
غير أن ما يميز العمري حقاً ليس ما تقلده من مناصب فحسب، بل قدرته الاستثنائية على تحويل المحن إلى فرص للعطاء. فبعد أن غادر مواقع المسؤولية الرسمية، لم يغادر ساحة الفعل والتأثير، بل اتجه إلى العمل المجتمعي والإنساني والثقافي، واضعاً خبرته ومعرفته في خدمة الناس والوطن.
وفي المجال الثقافي برز اهتمامه بالترجمة بوصفها رسالة معرفية ووطنية، حيث أسهم في نقل وتوثيق كثير من النصوص والوثائق المهمة، مؤدياً دوراً بارزاً في حفظ الذاكرة الوطنية وتعزيز الوعي بالتاريخ والتراث والهوية. لقد أدرك أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، فاختار أن يكون جندياً في ميدان المعرفة كما كان في ميادين العمل العام.
أما الجانب الأكثر إلهاماً في شخصية العمري فهو تلك الإرادة الصلبة التي واجه بها المرض. فالرجل الذي أثقلته المعاناة الصحية لم يسمح لها يوماً أن تنتصر عليه أو أن تنتقص من حضوره الإنساني. ظل متماسكاً، متفائلاً، باسماً، يوزع الأمل على من حوله فيما كان يخوض معركته الخاصة بثقة المؤمن وطمأنينة الواثق بالله. لقد انتصر على المرض معنوياً وأخلاقياً قبل أي انتصار آخر، وأثبت أن قوة الإنسان الحقيقية تكمن في قدرته على الصمود وعدم الاستسلام.
ومن هنا فإن حصول الأستاذ محمد محسن العمري على جائزة العر ليس مجرد تكريم لشخصية عامة أو لمسيرة وظيفية ناجحة، بل هو احتفاء بقصة حياة كاملة عنوانها العطاء والنبل والثبات والإيمان. إنها جائزة ذهبت إلى مستحقها، وإلى رجل جمع بين المسؤولية العامة والالتزام الأخلاقي والإسهام الثقافي والقدرة النادرة على مواجهة الشدائد بعزيمة لا تلين.
مبارك للأستاذ محمد محسن العمري هذا التكريم المستحق، ومبارك لجائزة العر هذا الاختيار الموفق الذي أنصف قامة وطنية وإنسانية استثنائية، وظلت على الدوام مثالاً للرجل الذي يكبر بالمواقف، لا بالمناصب.