آخر تحديث :الإثنين - 08 يونيو 2026 - 10:26 م

ثقافة - أدب - فن


أشياء تختنق..قصة قصيرة

الإثنين - 08 يونيو 2026 - 09:30 م بتوقيت عدن

أشياء تختنق..قصة قصيرة

شوقي دوشن - بسام الحروري

سأكمن هنا، هذا مكان مناسب.

ـ توقف!

ـ حذرتك سابقاً من مغبة أفعالك الدنيئة، أتجرؤ على قتل تلك العجوز؟!

أواصل مهمتي غير مكترث بما يقول، وأستمر في مراقبة المنزل. ها هي تدخل، خاطبته وأنا أستعد.

ـ اسمع! هذا ليس وقتك، فالحياة لم تعد تُطاق. هل أسعدك فقري المدقع؟ لا أزال لا أستطيع توفير قوت يومي، أم أنك لم تكن معي في كل ما مررنا به من بؤس وشقاء؟

ـ هذا كله هراء..

ـ اللهم طولك يا روح.

لا يتوقف عن دس أنفه في شؤوني: "في المرة السابقة فعلت فعلتك وغلبتني".

ـ أأنت تعيقني؟

تزداد وتيرة تذمري من شدة إلحاحه فأصرخ فيه: "نعم، أنت تعيقني! ألا يكفيك ما عانيته في حياتي؟ قد كنت أخدع السذج وآخذ أموالهم بحجة تسهيل البحث عن عمل لهم في الخارج، لكنك أجبرتني على التراجع! والآن حانت الفرصة وقد ساد الظلام إلا من ضوء مصباح الشارع الخافت.


سأتخلص من هذا ال.. عقب نجاح عمليتي، سأنقض وأضرب ضربتي، هذا هو الأهم الآن".

ـ آه، ما هذا؟ من هؤلاء؟! يبدو من هيئتهما أنهما لصان. أنظر! إنهما يقتحمان منزل السيدة العجوز. آآخ، لقد سبقاني، هذا كله بسببك أيها الوغد.

ـ أتسمع ماأسمعه! العجوز تصرخ طالبة النجدة، هب وساعدها هيا تحرك !

ماذا تنتظر؟ هذا المنعطف الذي ستتغير بعده حياتك، كل شيء سيتحسن إن أنت أقدمت، صدقني!

لا أجيبه وأظل أرقب المشهد من مخبئي في تبلد تام، ينخفض صوت العجوز تدريجياً إلى أن يصمت.

ـ المجرمون، لقد فعلوها، قتلوها!! يا لها من مسكينة.

ـ أرأيت؟ أنت السبب، تخاذلك وضعفك السبب في ذلك.

ـ قلت لك: اصمت، ولا كلمة!

ـ اسمع، صحبتك في المرة الأولى والثانية على غير رغبة مني، غير أني الآن عازم على تركك تواجه مصائبك وحدك. لكنني أؤكد لك: سأستغني عنك يا عزيزي، لم يعد لك دور في حياتي، هل فهمت؟!

يصمت ولا يجيب.


مشيت وأنا أنتفض، تعصف بي مشاعر مختلطة بين حزن وغضب ويأس ورحمة وانتقام، بينما تسح دموعي دون توقف، وكأني أصبحت كائناً "شيزوفرينياً" تتجاذبه الأهواء.


في زاوية الشارع الخالي خطرت ببالي فكرة جهنمية، رغم أني لم أعد أعرف من أنا وماذا أريد. هل أحب نفسي أم أكرهها؟ أريد أن أفعل ما أفعله بقناعة تامة مني لا بإملاء من أحد . لم أعد أعرفني، حياتي صارت أضداداً تتصارع مع بعضها وأنا الضحية. هل أنا،أنا حقاً؟ أم أنها نسخة مزورة عني؟ لقد ضاق حالي يا إلهي من هذا الوسواس الذي ينتابني، هل هو حقيقي أم هو انعكاس لمخاوفي وجبني؟ أريد أن أصبح إنساناً حقيقياً، إنساناً سوياً بحسناتي ومساوئي. من أنا؟ من أنا يا إلهي؟!


تقدمت إلى تلك الزاوية المظلمة من الزقاق، فتخلصت منه بعد إسكاته في كومة القمامة. آآه، الآن بمقدوري فعل ما أريد.

فجأة ! حدثت جلبة في نهاية الشارع، وجاء اللصان من خلفنا يهرعان، تطاردهما الشرطة وتطلق الأعيرة النارية بعد أن رفضا تسليم نفسيهما لها. حاولت الاختباء وسط لعلعة الرصاص الطائش، لكن رصاصة اخترقت صدري وسقطت بجانبه،

بجانب ضميري الملقى والمترنح كطير مذبوح، فسال خيط دم على الأرض بيننا وكأنه يسعى ليقرب المسافة ويربط بيننا، وحدها كانت النظرات الشاخصة كفيلة بالحديث نيابة عنا، فقد اختصرت كل المعاني والمسافات، وازدادت عيناي جحوظاً وهما تنظران إليه وكأنهما تشاهدانه لأول مرة،


*تمت*




شوقي دوشن - بسام الحروري