آخر تحديث :الأربعاء - 22 يوليو 2026 - 11:07 م

اخبار وتقارير


خطاب "تخوين" الجنوبيين وعودة عقلية صيف 94م

الأربعاء - 22 يوليو 2026 - 10:40 م بتوقيت عدن

خطاب "تخوين" الجنوبيين وعودة عقلية صيف 94م

تحليل محدث: د.صبري عفيف العلوي

في مشهدٍ يختزل جانبا كبيرا من عبثية الواقع السياسي اليمني، نتابع اليوم عودة خطابٍ قديم بأدوات جديدة؛ خطاب يقوم على التخوين والإقصاء ومحاولة نزع الشرعية الوطنية عن الخصوم السياسيين، بدلاً من إدارة الخلاف عبر المؤسسات والقانون والحوار.


ففي لحظة سياسية شديدة التعقيد، يخرج رشاد العليمي بخطاب يتجاوز حدود النقد السياسي إلى إطلاق اتهامات بالغة الخطورة تصل إلى مستوى الحديث عن "الخيانة العظمى" بحق رموز قضية شعب الجنوب، وفي مقدمتهم القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي، متجاهلاً أن المشهد اليمني القائم لم يعد يسمح بإعادة إنتاج معادلات الماضي أو استدعاء لغة الصراعات القديمة.


والمفارقة الأكثر إثارة للتساؤل أن من يرفع اليوم خطاب التخوين ضد شركائه في الميدان، هو ذاته من غادر العاصمة صنعاء بعد سقوط مؤسسات الدولة فيها، ثم وجد في عدن مساحة للحماية والاحتضان السياسي والأمني والاجتماعي.


فكيف لمن خرج من مدينة فقد فيها سلطته ومؤسساته أن يحول خطابه لاحقاً ضد القوى التي وفرت له الملاذ والوجود السياسي؟ وكيف لمن احتضنته عدن، وفتحت له أبوابها في ظروف بالغة الصعوبة، أن يتعامل مع أهلها وشركائها بمنطق الاتهام والتخوين؟

إن السؤال هنا ليس موجهاً إلى شخص بعينه، بل إلى ظاهرة سياسية أوسع.


كيف يتحول الضيف إلى خصم، وكيف تتحول الاستضافة إلى مناسبة لمحاولة إعادة إنتاج الهيمنة؟

فالذين احتضنوا السلطة اليمنية المعترف بها دولياً في عدن لم يفعلوا ذلك من منطلق الضعف أو التبعية، بل انطلاقاً من حسابات وطنية مرتبطة بمواجهة الحوثيين والإرهاب وحماية ما تبقى من مؤسسات الدولة. غير أن بعض القوى تعاملت مع هذا الاحتضان باعتباره فرصة لاستعادة نفوذ ما قبل 2015، وليس باعتباره شراكة سياسية قائمة على الاحترام المتبادل.

ومن هنا يظهر التناقض الأكبر:


فمن لم يستطع حماية صنعاء، ولم يمنع سقوط مؤسسات الدولة فيها، لا يملك أخلاقياً ولا سياسياً أن يوزع صكوك الوطنية على من قاتل على الأرض، ودافع عن المدن، وتحمل أعباء المواجهة العسكرية والأمنية خلال السنوات الماضية.


إن اتهام الآخرين بالخيانة يطرح سؤالاً جوهرياً:

بأي حق قانوني أو دستوري تُطلق مثل هذه التهم؟

ما هي المؤسسة القضائية أو التشريعية التي أصدرت حكماً بالخيانة؟

وأين هي الإجراءات القانونية التي تستند إليها هذه الادعاءات؟

وهل ما زال مفهوم الدولة قائماً على المؤسسات، أم عاد إلى منطق التصفيات السياسية وإصدار الأحكام من المنابر الإعلامية؟

إن الحقيقة أن خطاب التخوين الحالي يعيد إلى الذاكرة السياسية اليمنية أجواء ما قبل وبعد حرب صيف 1994، حين تحولت الخلافات السياسية إلى حملات تعبئة أيديولوجية استخدمت مفاهيم التكفير والتخوين لتبرير الحرب ضد الجنوب، وشرعنة إقصاء قواه السياسية والعسكرية والاجتماعية.

لقد كانت قائمة الاتهامات التي طالت القيادات الجنوبية آنذاك جزءاً من منظومة سياسية هدفت إلى تصوير المطالب الجنوبية بالشراكة أو الحقوق أو إعادة النظر في مسار الوحدة باعتبارها خروجاً على الوطن، وهي العقلية ذاتها التي تحاول اليوم إعادة إنتاج نفسها تحت عناوين مختلفة.

فالخلاف السياسي لا يصبح خيانة، والمطالبة بالحقوق لا تصبح عمالة، والاختلاف حول شكل الدولة ومستقبلها لا يُحسم بالتخوين، بل بالحوار السياسي والمرجعيات القانونية والخيارات التي تعبر عن إرادة الشعوب.

واللافت أن الخطاب الذي يرفع راية التخوين ضد القوى الجنوبية، يبدو أقل حدة تجاه القوى التي أسقطت صنعاء وأضعفت مؤسسات الدولة. فبدلاً من توجيه التركيز نحو استعادة العاصمة ومواجهة مشروع الحوثي، يتم توجيه الخطاب نحو محاولة كسر الرمزية الجنوبية وإعادة إخضاع عدن سياسياً.

ازدواجية معيار "الخيانة": لماذا تختلف التهم باختلاف الخصوم؟

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً في هذا السياق:

لماذا لم تُستخدم مفردات "الخيانة العظمى" أو "العمالة للخارج" ضد جماعة الحوثي التي سيطرت على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة منذ سنوات، وأقامت علاقة معلنة مع إيران، بينما أصبحت هذه التهمة جاهزة ضد القوى الجنوبية خلال فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز أياماً أو أسابيع من التحولات السياسية والعسكرية؟

أين كان خطاب التخوين عندما سقطت صنعاء، وعندما أصبحت جماعة مسلحة خارج إطار الدولة تفرض سيطرتها على مؤسساتها وتعلن تحالفاتها الإقليمية والسياسية؟


ولماذا لم تتحول العلاقة الحوثية – الإيرانية، التي كانت ولا تزال محوراً رئيسياً في النقاشات الإقليمية والدولية حول اليمن، إلى خطاب اتهام سياسي مماثل لما يُوجه اليوم ضد المجلس الانتقالي الجنوبي بسبب علاقته مع دولة الإمارات العربية المتحدة؟

إن كان معيار الاتهام هو وجود علاقة مع دولة خارجية، فإن السؤال المنطقي هو:

هل العلاقات الخارجية تُصبح خيانة عندما تكون مع طرف سياسي معين، بينما تصبح مقبولة أو يتم تجاهلها عندما تكون مع طرف آخر؟

فالحوثيون حافظوا لسنوات على علاقة وثيقة مع إيران، وهي علاقة ناقشتها تقارير دولية عديدة باعتبارها أحد عوامل الصراع الإقليمي في اليمن، ومع ذلك لم نشهد من بعض القوى السياسية خطاباً مماثلاً من حيث الحدة تجاه هذه العلاقة.

وفي المقابل، يتم تقديم علاقة المجلس الانتقالي الجنوبي مع دولة الإمارات باعتبارها "دليلاً على الارتهان"، رغم أن هذه العلاقة جاءت في سياق حرب مفتوحة وبتوافقات محلية واقليمية ودولية ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، وشكلت - وفق رؤية أنصاره - عاملاً رئيسياً في دعم القوات الجنوبية المسلحة وتمكينها من مواجهة تنظيمات مثل القاعدة وداعش واستعادة السيطرة على عدد من المناطق الجنوبية التي هي الان تحت سلطة الامر الواقع لسلطتكم.

وهنا لا يعني ذلك أن أي علاقة خارجية يجب أن تكون فوق النقد أو المراجعة، فالعلاقات الدولية بطبيعتها تخضع للتقييم السياسي والمصالح المتبادلة، لكن الإشكالية تكمن في تحويل العلاقات الخارجية إلى تهمة انتقائية تستخدم ضد طرف وتُستثنى منها أطراف أخرى.


والسؤال الذي يفرض نفسه:

إذا كانت العلاقة مع دولة أجنبية معياراً للخيانة، فلماذا لا يُطبق هذا المعيار على الجميع؟

هل الخيانة تُقاس بالفعل السياسي أم بهوية الفاعل السياسي؟

وهل المشكلة في وجود علاقة خارجية بحد ذاتها، أم في أن بعض القوى لم تعد تقبل بظهور شريك جنوبي يمتلك مشروعاً سياسياً مستقلاً؟

إن أخطر ما في خطاب التخوين ليس التهمة ذاتها، بل استخدامه كأداة لإعادة إنتاج معادلات الماضي؛ حيث يتم تحويل الخلاف السياسي إلى اتهام وطني، وتحويل الشراكات الإقليمية إلى ذريعة لإقصاء طرف دون مساءلة الأطراف الأخرى

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

هل المشكلة الحقيقية لدى بعض القوى هي سقوط صنعاء، أم صعود عدن كلاعب سياسي وعسكري مستقل يمتلك مشروعاً ورؤية ومطالب واضحة؟

إن محاولة استخدام لغة التخوين في مرحلة يفترض أنها مرحلة شراكة وتوافق ليست مجرد خطأ سياسي، بل تهديد لما تبقى من الثقة بين القوى اليمنية. فالشراكة لا تُبنى على منطق المنتصر والمهزوم، ولا على اعتبار احتضان طرف لآخر تفويضاً بالهيمنة عليه.

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا تنسى من وقف معها في لحظات الخطر، كما أنها لا تنسى من حاول تحويل الوفاء إلى تبعية، والاستضافة إلى استحواذ، والشراكة إلى وصاية.

إن ثوابت الجنوب العربي ليست ورقة تفاوض مؤقتة، كما أن قضايا الشعوب لا تُسقطها حملات التخوين، فالتاريخ لا يحكم فقط على من يرفع الشعارات، بل على من يتحمل المسؤولية حين تكون الخيارات صعبة.

15 يناير 2026