آخر تحديث :الخميس - 23 يوليو 2026 - 01:08 ص

ثقافة - أدب - فن


قصيدة (هلت بشائر) للهاشمي والربان "قراءة أسلوبية"

الخميس - 23 يوليو 2026 - 12:27 ص بتوقيت عدن

قصيدة (هلت بشائر) للهاشمي والربان "قراءة أسلوبية"

د. صبري عفيف العلوي

قصيدة (هلت بشائر)

للشاعر أحمد علي حسن "الهاشمي"

غناء والحان الربان المناضل عبود زين سالم السقاف

(قراءة أسلوبية)




المقدمة:


تُعد قصيدة "هلّت بشائر" من النصوص المركزية في الأغنية الوطنية في الجنوب العربي ذات البعد النضالي والوجداني، إذ جاءت معبّرة عن مرحلة تاريخية مشحونة بالألم والتحولات، واختزلت في بنائها الشعري ذاكرة ما بعد حرب صيف 1994م وما رافقها من شعور واسع بالانكسار وفقدان التوازن السياسي والاجتماعي، قبل أن تتصاعد لاحقاً أصوات المطالبة بالإنصاف واستعادة الحقوق والهوية.


وقد استطاع الشاعر محمد حسن "الهاشمي" أن يحوّل لحظة الألم إلى لحظة انتظار وانبعاث، فالنص لا يقف عند حدود الرثاء أو الشكوى، بل يبني سردية شعرية تقوم على الانتقال من حالة "الكتمة" إلى "الرحابة"، ومن زمن الصدمة إلى زمن الأمل. كما أسهم اللحن والأداء الصوتي للربان المناضل عبود زين سالم السقاف في نقل القصيدة من فضائها الشعري إلى الذاكرة الجماعية، فأصبحت جزءاً من خطاب الأغنية التي لعبت دوراً في التعبير عن الوجدان الشعبي.


وتُعد قصيدة "هلت بشائر" أحد النصوص المركزية في أدب المقاومة الجنوبي، حيث اختزل فيها الشاعر محمد حسن "الهاشمي" مأساة عقدين من الزمن في بضعة أبيات اتسمت بالكثافة اللغوية والقدرة الفائقة على التصوير المشهدي. وتتجلى عبقرية النص في توثيق لحظة "الانبعاث" من حالة الركود إلى حالة الثورة.


أولا: الاستهلال وأسلوبية الانبعاث (الإفاقة بعد الغياب)


يشكل عنوان "هلّت بشائر هلا" المفتاح الرمزي للقصيدة، إذ يختزل في بنيته اللغوية حركة الانتقال من زمن الغياب والألم إلى زمن الانبعاث والأمل. فالفعل "هلّت" يحمل دلالة الظهور بعد احتجاب، والإيحاء بقدوم أمر طال انتظاره، بينما جاءت "بشائر" بصيغة الجمع لتتجاوز معنى الخبر العابر إلى فضاء أوسع من الانفراج والتحول، بما تختزنه من دلالات الفرج والحرية واستعادة الروح. أما "هلا" فهي صيحة استقبال واحتفاء، تضفي على العنوان بعداً غنائياً وجماعياً، وكأن المدينة لا تستقبل بشارة عابرة، بل تستقبل فجر مرحلة جديدة تستعيد فيها حضورها وذاكرتها.


ولا يقتصر أثر العنوان على بنيته الدلالية، بل يمتد إلى مستواه الصوتي؛ إذ يقوم على تكرار أصوات الهاء في: �هلّت، هلا�، وهي أصوات رخوة تمنح الاستهلال نبرة احتفائية أقرب إلى زفرة الانفراج بعد طول اختناق، فتتآزر الموسيقى الداخلية مع دلالة الانبعاث، ليغدو الإيقاع نفسه جزءاً من صناعة الأمل قبل أن يكتمل المعنى في متن القصيدة.

وعلى المستوى الرمزي، يقوم العنوان على ثنائيات متقابلة: الغياب/الحضور، العتمة/النور، الانتظار/الانبعاث؛ وهي الثنائيات التي تنتظم حولها البنية الدلالية للقصيدة. ويتعزز هذا المعنى في مطلع النص حين يربط الشاعر بين البشائر والفجر قائلاً؛


هَلَّت بشاير هَلَا يا فجرنا المبعدْ

على مُحَيَّا كريتر ترجع البسمةْ

ارتكزت القصيدة على صورة شعرية قائمة على التشخيص والتجسيد؛ إذ يمنح الشاعر كريتر ملامح الإنسان الحي، فجعل لها "مُحَيَّا" تشرق عليه البسمة بعد عبوس طويل، وهي صورة أكثر عمقاً من مجرد وصف المكان؛ لأن الشاعر لا يتعامل مع كريتر كحيّز جغرافي، بل ككائن يحمل الذاكرة والوجدان والهوية. فعودة البسمة إلى "مُحَيَّا كريتر" توحي باستعادة الروح بعد مرحلة من الألم والانطفاء، وتحول المدينة من موضوع للمعاناة إلى ذات قادرة على الفرح والنهوض.


كما أن اختيار الشاعر لعبارة "فجرنا المبعد" بدلاً من الفجر العادي يكشف عن دلالة زمنية ونفسية عميقة؛ فالفجر هنا ليس مجرد بداية يوم جديد، بل أمل تأخر حضوره وطال انتظاره، وكأن النور كان قريباً لكنه أُبعد قسراً بفعل ظروف قاهرة. وهكذا تتكامل الصورة بين الفجر العائد والمُحَيَّا المبتسم لتشكّل مشهداً شعرياً للانبعاث، حيث تستعيد عدن حضورها الرمزي وتخرج من زمن الكتمة إلى فضاء الأمل.

تتجلى براعة الشاعر في قوله:


ها قد أفقنا.. ارتقبْ يا يوليو الأسودْ

وقد أفاقت عدن وامتصت اللطمةْ


حيث يبني الشاعر صورة شعرية قائمة على التشخيص والتجسيد، فيحوّل عدن من مكان جغرافي إلى كائن حي يمتلك وعياً وذاكرة وقدرة على الإحساس بالألم والتعافي. فاختياره لفظة "أفقنا" بدلاً من "صحونا" ليس اختياراً عابراً؛ لأن الإفاقة ترتبط بحالة سبات عميق أو غياب عن الوعي نتيجة صدمة قاسية، بينما يحمل "الصحو" معنى الاستيقاظ العادي. ومن هنا يمنح الفعل النص بعداً درامياً، إذ يصور عدن كجسد حي تلقى ضربة موجعة، ثم دخل في حالة من الذهول قبل أن يستعيد وعيه وقدرته على النهوض من جديد.


وتكشف تلك الاختيارات أيضاً عن حركة زمنية متصاعدة في النص؛ فالشاعر لا يكتفي باستدعاء الماضي ممثلاً في �يوليو الأسود� و�اللطمة�، بل يعلن تحقق الحاضر بأفعال مثل �هلّت� و�أفقنا�، قبل أن يفتح أفق المستقبل بأفعال الوعد والحركة مثل �ترجع� و�تشرق� و�نزحزح�. وبذلك يتحول الزمن من إطار للأحداث إلى بنية أسلوبية تعكس انتقال الوعي من الصدمة إلى الانبعاث.


وتتضاعف كثافة الصورة مع استخدام الشاعر لعبارة "ها قد" التي تؤدي وظيفة التنبيه والتحقيق؛ فهي تعلن أن لحظة الإفاقة لم تعد حلماً مؤجلاً، بل أصبحت واقعاً حاضراً. فـ"ها" تستدعي انتباه المتلقي إلى لحظة التحول، و"قد" تمنح الفعل معنى التحقق، وكأن الشاعر يعلن اكتمال الانتقال من زمن الصمت والانتظار إلى زمن الوعي والحركة.

أما قوله "ارتقب يا يوليو الأسود" فيمثل ذروة التشخيص؛ إذ يخاطب الشاعر يوليو بوصفه كائناً حاضراً يمكن أن يرى ويترقب، فيحوّل التاريخ إلى طرف في الحوار الشعري. ويحمل فعل الأمر "ارتقب" دلالة التحدي والاستشراف، فهو ليس انتظاراً سلبياً، بل إعلان بأن مرحلة جديدة بدأت وأن آثار الماضي لن تمنع حركة النهوض.

وتأتي صفة "الأسود" محملة بدلالة رمزية عميقة، فاللون هنا يتجاوز الوصف الحسي ليصبح علامة على الحزن والصدمة والانكسار، فيختزل مرحلة تاريخية مثقلة بالألم في الذاكرة الجنوبية. ويقيم الشاعر من خلاله مقابلة دلالية بين سواد يوليو ونور الفجر في مطلع القصيدة، بين زمن الجرح وزمن الانبعاث.

كما أن قوله: وقد أفاقت عدن وامتصت اللطمةْ يمثل صورة بلاغية مكثفة؛ إذ تظهر عدن كجسد حي تلقى ضربة قاسية، لكنه لم يفقد قدرته على المقاومة واستعادة الوعي. فالفعل "امتصت" لا يدل على مجرد تحمل الألم، بل يوحي بالقدرة على استيعاب الصدمة وتجاوز آثارها.

وهكذا يتحول الاستهلال من مجرد إعلان للبشارة إلى مشهد شعري لانبعاث مدينة؛ مدينة أصابتها صدمة يوليو، وأثقلت ذاكرتها سنوات من الألم، لكنها احتفظت بجوهرها وهويتها، حتى استعادت صوتها وظهرت البسمة من جديد على مُحَيَّا كريتر بوصفها القلب الرمزي النابض لذاكرة عدن وتاريخها.


ثانياً: القسم الثوري وصناعة رمزية الحرية


ينتقل النص من مرحلة وصف الجرح واستحضار لحظة الإفاقة إلى مرحلة إعلان الموقف وبناء العهد الثوري، مستخدماً الشاعر صيغة القسم في قوله:


نقسم بمن لا سواه يستحق يُعبدْ

إلا ذبحنا بباب الحرية الظلمةْ

بكم أحباءنا تشرق شموس الغدْ

نزحزح الجهل والكابوس والعتمةْ


ولا يقتصر أثر القسم على بناء العهد الثوري، بل يكشف أيضاً عن اعتماد الشاعر ضمير الجماعة في أفعال مثل: "نقسم، ذبحنا، نزحزح"، وهو اختيار أسلوبي يذيب الذات الفردية داخل الجماعة، ويجعل المقاومة فعلاً جمعياً يعبر عن إرادة وطنية مشتركة، لا عن موقف فردي معزول..حيث تتحول القصيدة من خطاب شعري تعبيري إلى ميثاق أخلاقي ووجداني، يمنح فعل المقاومة بعداً قيمياً يتجاوز المطالبة السياسية المباشرة. فالقسم هنا لا يأتي للزينة البلاغية، بل يؤسس لحالة من اليقين والالتزام، ويربط الحرية بمبدأ سامٍ يجعلها قيمة إنسانية تستحق التضحية، لا مجرد مطلب عابر.

وتتجلى قوة البناء الدلالي حيث يؤدي حرف الاستثناء "إلا" `ذبحنا" وظيفة حاسمة في سياق القسم؛ فهو يربط العهد بالفعل، ويجعل مواجهة الظلم نتيجة لازمة لا مجال للتراجع عنها. فالشاعر لا يكتفي بإعلان الإيمان بالحرية، بل ينتقل إلى فعل المقاومة من أجل انتزاعها.


أما الصورة في قوله "ذبحنا بباب الحرية الظلمة" فتقوم على استعارة وتشخيص مكثف؛ إذ يحوّل الشاعر الظلمة من معنى مجرد إلى كائن مادي يمكن القضاء عليه، فيمنح الصراع بين الحرية والظلم بعداً درامياً واضحاً. ففعل "ذبحنا" لا يدل على العنف لذاته، بل يرمز إلى الاستئصال الجذري لجذور القهر والعتمة عند عتبة الحرية، وكأن الوصول إلى النور يتطلب إزالة كل ما يحجب الطريق إليه.


ويستكمل الشاعر هذا التصوير من خلال إيراد الفعل "نزحزح" يحمل دلالة حركية عميقة؛ إذ لا يعني الإزالة الفورية، بل يشير إلى عملية دفع تدريجية ومستمرة، بما يوحي بأن التغيير الحقيقي فعل تراكمي يحتاج إلى إرادة وصبر ومواجهة. كما أن اختيار هذا الفعل يكشف أن الثورة ليست لحظة انفعال، بل حركة واعية تعمل على تفكيك آثار الواقع السابق خطوة بعد أخرى.


وتأتي الألفاظ الثلاثة "الجهل والكابوس والعتمة" ضمن حقل دلالي يمثل فضاء الظلام والانكسار، يقابله حقل آخر يضم ألفاظاً مثل: البشائر، الفجر، البسمة، شعاع، الغد، الحرية، الرحابة. ومن خلال هذا التقابل يبني الشاعر الحركة الداخلية للنص، بحيث يتحول الانبعاث من فكرة مجردة إلى مسار دلالي ينتقل من العتمة إلى النور. ويأتي هذا التدرج في الألفاظ ليجسد مستويات القهر؛ فالجهل يمثل غياب الوعي، والكابوس يجسد الخوف والضغط النفسي، بينما تختزل العتمة حالة الانغلاق الشامل التي تحاصر الإنسان والمجتمع.

وهنا تتجسد الثورة بوصفها كائناً فاعلاً في النص؛ فهي التي تذبح الظلمة، وتزحزح الجهل، وتطرد الكابوس والعتمة، لتفتح الطريق نحو الحرية. وبذلك تتحول الثورة من فكرة مجردة إلى قوة حية تحمل وظيفة الخلاص، وتنقل الإنسان والمكان من زمن القهر والكتمة إلى فضاء النور والانبعاث.


ثالثاً: سيمياء المعادن وصناعة صورة المناضل


ينتقل الشاعر في هذا المقطع من الحديث عن فعل التحرر إلى بناء صورة الإنسان الذي يصنع هذا التحرر، مستنداً إلى رمزية المعادن بوصفها علامة على القيمة والثبات والأصالة. يقول:

من معدن الماس بعض الناس والعسكرْ

ومن عدن مع رفاقه معدن الأمةْ

لهم شعاع الأمل والحرية تنشدْ

وننتقل للرحابة بعد ذي الكتمةْ

الزيف مهما طغى وطال وتسيدْ

لن ينقلب حق مهما طالت الجثمةْ

حيث يستدعي الشاعر مفهوم "معادن الرجال"، فيجعل الإنسان المناضل شبيهاً بالمعدن النفيس الذي لا يفقد قيمته أمام عوامل الزمن والاختبار. فالماس هنا لا يأتي بوصفه رمزاً للجمال واللمعان فقط، بل باعتباره دالاً على الصلابة والنقاء والندرة والثبات، وهي صفات يخلعها الشاعر على أولئك الذين حملوا عبء الدفاع والتضحية.

وتتجاوز الصورة بعدها التشبيهي إلى دلالة رمزية أعمق؛ فالمعدن في المخيال الإنساني يكشف عن جوهر الشيء وحقيقته، ولذلك فإن الشاعر يضع المناضلين والعسكر في مرتبة "المعدن الأصيل" مقابل المعادن الزائفة التي تفقد قيمتها عند مواجهة المحن. فالاختبار الحقيقي للإنسان لا يكون في لحظات الراحة، بل في زمن الشدائد، حيث تظهر حقيقة الانتماء والتضحية.

كما أن الربط بين "عدن" و**"معدن الأمة"** يحمل دلالة خاصة؛ فالمدينة هنا لا تُقدم بوصفها مكاناً فقط، بل بوصفها حاضنة للهوية وصانعة للتاريخ. فالأمم لا تُبنى بالحجارة والجغرافيا وحدها، وإنما بأبنائها الذين يحملون قيم الشجاعة والانتماء والوفاء. وهكذا تصبح عدن في النص رمزاً يتجسد في رجالها ورفاقها، ويصبح الإنسان هو المعدن الحقيقي الذي يمنح المكان معناه.

وتكتسب مقابلة المعدن النفيس مع واقع القهر دلالة إضافية؛ فكما يحافظ الذهب والماس على قيمتهما رغم الظروف، يحافظ الإنسان صاحب المبدأ على جوهره مهما تغيرت الأزمنة. ومن هنا تتحول سيمياء المعادن إلى وسيلة فنية لصناعة صورة المناضل بوصفه قيمة ثابتة لا تصدأ، وجزءاً من ذاكرة الأمة ومسار تحررها.

ثم يبلغ النص ذروته الفكرية في قوله:


الزيف مهما طغى وطال وتسيدْ

لن ينقلب حق مهما طالت الجثمةْ


حيث يقرر الشاعر حقيقة تاريخية مفادها أن القوة المؤقتة لا تصنع شرعية، وأن الباطل مهما امتلك أدوات الهيمنة لا يستطيع أن يتحول إلى حق. فـ"الزيف" يرمز إلى الواقع المفروض، بينما يمثل "الحق" القيمة الثابتة التي لا تسقط بطول الزمن. وهنا تكتمل إحدى أبرز الثنائيات الضدية...؛ وهي ثنائية الحق/الزيف، التي توازي ثنائيات أخرى مثل: الفجر/يوليو الأسود، البسمة/اللطمة، الرحابة/الكتمة، الحرية/الظلمة. ولا تعمل هذه الثنائيات بوصفها مقابلات لفظية فحسب، بل تمثل الهيكل العميق الذي تنتظم حوله البنية الدلالية للنص، حيث تتحرك القصيدة باستمرار من قطب الانكسار إلى قطب الانبعاث. رمز للواقع المفروض، بينما يمثل "الحق" القيمة الثابتة التي لا تسقط بطول الزمن.

وتعتمد القصيدة على ثنائية واضحة بين زمنين:

• زمن الكابوس والعتمة والكتمة.

• وزمن الفجر والحرية والرحابة.

فالرحابة هنا ليست مجرد اتساع مكاني، بل رمز للخلاص والانفتاح بعد مرحلة من الانغلاق، وهي صورة شعرية تختزل تحولات نفسية واجتماعية عميقة.


رابعا: نقد المذلة وحتمية انتصار الحق


يختتم الشاعر قصيدته بموقف أخلاقي وفلسفي مكثف، رافضاً منطق الإخضاع والعطاء المشروط، في قوله:


خبز المذلة ومن يد اللئيم اللدْ

أمرُّ من المُر يغصُّ الحلق باللقمةْ


فـ**"خبز المذلة"** يتجاوز معناه المادي ليصبح رمزاً لكل عطاء يفقد الإنسان كرامته، إذ يجعل الشاعر الإهانة أقسى من الحاجة نفسها. فالمشكلة ليست في الخبز، بل في اليد التي تقدمه مقروناً بالمنّة والإذلال، ولذلك تتحول اللقمة إلى عبء نفسي وأخلاقي "يغص به الحلق.


وهكذا تنتهي القصيدة بحكمة تتجاوز لحظتها التاريخية؛ فكرامة الإنسان لا تُقاس بما يحصل عليه من فتات، بل بقدرته على رفض المذلة والتمسك بحقه. وتتحول الخاتمة إلى إعلان ثقة بانتصار المعنى على القوة، والحق على الزيف، والحرية على كل أشكال القهر.


وتكتسب القصيدة بعداً جمالياً إضافياً من انتقالها إلى الفضاء الغنائي؛ إذ لم يقتصر اللحن والأداء على نقل النص، بل أسهما في إبراز إيقاعه الداخلي وتعزيز دلالاته الانفعالية. فقد جاء أداء الفنان المناضل عبود زين سالم السقاف منسجماً مع الحركة الشعورية للقصيدة، فانتقل بالصوت من نبرة الألم في مقاطع الاستذكار إلى نبرة التحدي والبشارة في مقاطع الانبعاث، مما منح النص حياة ثانية تجاوز بها حدود الصفحة المكتوبة ليغدو جزءاً من الذاكرة السمعية والوجدانية للجمهور.

***.

مما سبق تبين ان الشاعر الشاعر محمد حسن الهاشمي نجح في بناء نص يقوم على الاقتصاد اللغوي والكثافة الرمزية، مستثمراً طاقات التشخيص والاستعارة والثنائيات الضدية وتنامي الأفعال الحركية لبناء خطاب شعري يجمع بين الذاكرة والهوية والحرية. كما أسهم البناء الصوتي القائم على التكرار، والحركة الزمنية المتصاعدة، والانتقال بين حقول النور والظلام، وتوظيف ضمير الجماعة، في إكساب النص تماسكاً أسلوبياً جعل الأغنية الوطنية على يد عبود الخواجة تتجاوز مناسبتها التاريخية لتغدو وثيقة جمالية تحفظ الذاكرة الجمعية وتؤكد أن انتصار الحق يبدأ من استعادة الوعي قبل استعادة المكان.