جاء الاستقلال، فولدت محافظة اسمها أبين على أنقاض خمس مشيخات وإمارات عريقة: العوالق السفلى، ويافع السفلى، والعواذل، والفضلي، ودثينة. لكن الدولة الاشتراكية لم تكتفِ بإعادة رسم الحدود الإدارية، بل أعادت تشكيل المجتمع نفسه؛ ألغت كثيرًا من الملامح القبلية، ومحَت الألقاب، وصادرت أملاكًا، وأعادت توزيعها، لتنشأ محافظة جديدة لم تُمنح الوقت الكافي لتبني هوية جامعة لأبنائها.
ثم جاءت الوحدة، لتنكشف التشققات التي ظلت كامنة. انكمش حضور أبين في الوعي العام حتى بدا وكأنها لا تتجاوز زنجبار وخنفر، بينما ظلّت مناطقها الجبلية والبعيدة خارج الصورة. حتى إن أبناء جيشان قد لا يعرفون أن البن اليمني الأصيل يُزرع في أودية سباح، وأن تلك الجبال تختزن ثروة زراعية لا تقل قيمة عن سهول المحافظة، بسبب غياب الطرق، وضعف التواصل، وافتقاد قيادة تجمع أطراف أبين تحت مظلة واحدة.
أبين لا ينقصها الخير؛ ففيها البن، والموز، والحبحب، والوديان، والجبال، والتاريخ. لكنها كانت بحاجة إلى من يزيل الحواجز النفسية قبل الجغرافية، ويجعل حصون يافع تعانق حصون العواذل، ويعيد تعريف أبناء المحافظة ببعضهم البعض.
وأنا أحد أبناء يافع السفلى، لم أكن أعرف أنني أنتمي إلى محافظة أبين إلا يوم ذهبت لاستخراج البطاقة الشخصية. كنت صغيرًا، وكان ذلك أول يوم أقرأ فيه اسم “أبين”. بالنسبة لي كان العالم ينتهي عند حدود منطقتي “ظبه”. لم يكن يصلنا نشاط رياضي من مكتب الشباب والرياضة، ولم تكن هناك مشاريع أو فعاليات تشعرنا بأننا جزء من المحافظة. وكان الرابط الوحيد بزنجبار طريقًا بدأ العمل فيه منذ عقود، وما يزال حتى اليوم يحمل اسم طريق باتيس – رصد – معربان وكأنه مشروع ينتظر أن يكتمل مع حلم الانتماء نفسه.
اليوم، يقف د. مختار الرباش الهيثمي على رأس المحافظة، حاملًا مسؤولية أكبر من إدارة مؤسسات الدولة؛ مسؤولية إعادة بناء الهوية الأبينية. ففي شخصه يرى الناس شيئًا من عنفوان يافع، وأصالة العواذل، وحكمة الفضلي، وسياسة دثينة، وشموخ العوالق. لذلك لم تكن زيارته الأولى إلى يافع زيارة بروتوكولية عابرة، بل لحظة انتظرها الناس طويلًا.
كان الاستقبال مختلفًا. لم يكن مجرد كرم يافعي يُمنح للقريب والغريب، بل كان استقبالًا للأمل. رأيت الفرح في عيون الناس، وكأن الجبل كان ينتظر أن تلتفت إليه زنجبار أخيرًا، وكأن الماء الذي كان يجري ليسقي الحبحب في السهل قرر أن يصعد هذه المرة ليحيي شجرة البن في الجبل. كان الناس يستقبلون الدولة قبل أن يستقبلوا المحافظ، ويحتفون بفكرة أبين الواحدة قبل أن يحتفوا بالرجل.
اليوم يعلّق الأطفال والكبار آمالًا كبيرة على الدكتور مختار رباش. يتمنون ألا يخيب رجاءهم، وألا ينظر إلى مناطقهم بعين التفاوت، بل بعين المسؤول الذي يرى جميع أبناء المحافظة سواء. فأهل الجبل، كما أهل السهل، لا يطلبون امتيازًا، وإنما يطلبون حضور الدولة وعدالتها وإنصافها.
محافظنا العزيز..
نحن نتابع خطواتك بمحبة، ونترقب أخبارك بأمل. ونتمنى أن تكون المرحلة التي تقودها بداية ميلاد الانتماء الأبيني الحقيقي؛ أبين التي تمتد من شقرة إلى القارة، ومن زنجبار إلى جيشان، ومن دثينة إلى يافع، محافظة يرى كل أبنائها فيها أمًا واحدة لا تفرّق بينهم، وهوية تجمعهم، ومستقبلًا يبنونه معًا.
وفقك الله، وسدد خطاك، وجعل على يديك خيرًا كثيرًا لأبين وأهلها.
ابن أبين العظيمة
صالح شنظور