آخر تحديث :الإثنين - 10 أغسطس 2026 - 11:17 ص

ثقافة - أدب - فن


حين تكتب الحربُ سيرةَ عدن ..قراءة في رواية (تحت الرماد)

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - 10:41 ص بتوقيت عدن

حين تكتب الحربُ سيرةَ عدن ..قراءة في رواية (تحت الرماد)

سعيد عمشوش

ليست الحرب حدثًا يقع خارج الإنسان ثم ينتهي بانتهاء المعارك. إنها، في أعمق تجلياتها، تجربة تعيد تشكيل علاقته بالمكان والزمان والآخر وبذاته أيضًا. وحين تضع الحرب أوزارها، لا يكون كل شيء قد انتهى؛ إذ تبقى في الذاكرة أصوات الانفجارات، ورائحة الدخان، ووجوه الذين غابوا، وبيوت لم تعد كما كانت، وأحلام انقطعت قبل أن تبلغ نهاياتها. وربما لهذا السبب تظل الحرب، حتى بعد انطفاء نيرانها، في حاجة إلى أن تُروى.


غير أن الفرق كبير بين أن تُروى الحرب بوصفها خبرًا، وأن تُكتب بوصفها تجربة إنسانية. فالخبر يلاحق الحدث في خارجه: متى وقع؟ وأين؟ ومن شارك فيه؟ وكم كان عدد الضحايا؟ أما الأدب فيتقدم إلى المنطقة التي لا تستطيع الأرقام الوصول إليها: ماذا فعل الخوف بالإنسان؟ كيف تبدل وعيه؟ ماذا بقي من طفولته حين وجد نفسه فجأة في مواجهة الموت؟ وكيف يستطيع المرء أن يستعيد معنى الحياة بعدما رأى الموت قريبًا منه؟

من هذه المنطقة تحديدًا يمكن قراءة رواية (تحت الرماد) للأديبة عيشة صالح. فهي لا تبدو معنية بإعادة بناء حرب 2015 بوصفها تسلسلًا عسكريًا للأحداث بقدر ما تبدو منشغلة بما فعلته تلك الحرب في الإنسان، وفي الأسرة، وفي مدينة عدن، وفي الذاكرة التي تحمل آثارها حتى بعد أن تتراجع أصوات المدافع.


ولهذا فإن قيمة الرواية لا تستمدها من كونها تسجل وقائع حرب عرفها كثير من اليمنيين وعاشوا بعض فصولها، وإنما من قدرتها على تحويل الواقعة التاريخية إلى تجربة سردية، وعلى نقل الحرب من فضاء الأخبار إلى فضاء الوعي الإنساني.


ومن هنا أيضًا يصبح عنوان الرواية مفتاحًا أول لقراءتها. فـ(تحت الرماد) ليست عبارة تشير إلى ما خلفته الحرب من خراب فحسب، وإنما تحيل إلى شيء آخر أكثر عمقًا: إلى ما يبقى حيًا تحت سطح الخراب. فالرماد يخفي النار، لكنه لا يعني بالضرورة انطفاءها. وقد يكون ما تحت الرماد ذاكرةً أو حلمًا أو رغبةً في الحياة أو قدرةً على البدء من جديد.

إن الرواية، بهذا المعنى، لا تسأل فقط: ماذا فعلت الحرب بعدن؟ بل تسأل سؤالًا أشد إيلامًا: ماذا فعلت الحرب بالإنسان الذي عاشها؟

الرواية بوصفها استعادة للذات:

لقد اختارت عيشة صالح أن تجعل من رغد مركزًا سرديًا تدور حوله التجربة. وهذا الاختيار ليس عابرًا؛ إذ إن جعل فتاة عدنية في قلب الرواية يسمح للحرب بأن تُرى من زاوية تختلف عن زاوية المقاتل والمؤرخ والمراسل الحربي.


رغد لا تدخل الحرب وهي تحمل مشروعًا بطوليًا. إنها فتاة في السابعة عشرة، لها أم مريضة وجدّة مثقلة بالحياة، ولها ماضٍ عائلي مضطرب، وأحلام شخصية تتشكل بصعوبة. ومن هنا تبدو الحرب في الرواية قوةً تقتحم حياة لم تكن مستعدة لها، وتدفع الشخصية إلى النضج قبل أوانه.

وهذا من أكثر العناصر دلالة في بناء الشخصية؛ فرغد لا تولد بطلة، وإنما تصنعها الظروف تدريجيًا.

فالطفولة التي ترسمها الرواية ليست طفولة سعيدة بالمعنى التقليدي. إنها طفولة تبحث عن منفذ من بيت يثقلها بالحزن. وفي المقابل تجد رغد في المدرسة والكتابة فضاءين لاستعادة شيء من ذاتها. تقول: (حين أكتب أشعر أنه قد نبت لي جناحان، أحلق بهما حيث أشاء".

هذه العبارة تستحق أن تُقرأ باعتبارها أكثر من مجرد وصف لحب الطفلة للكتابة. إنها، في تقديري، تختصر الوظيفة الجمالية والنفسية التي ستؤديها الكتابة في حياة الشخصية لاحقًا. فالكتابة هنا فعل تحرر؛ إنها تمنح الذات مساحة لا تستطيع الحياة الواقعية أن تمنحها إياها.

وهكذا تضع الرواية، منذ وقت مبكر، إحدى ثيماتها المركزية: الإنسان يبحث عن حريته بالكلمة قبل أن يبحث عنها في العالم.

ولذلك فإن تحول رغد لاحقًا إلى العمل الإعلامي والإغاثي لا يبدو منفصلًا عن طفولتها، بل يأتي امتدادًا منطقيًا لها. فالفتاة التي وجدت في الكتابة جناحين، ستجد في الكلمة لاحقًا وسيلة للوقوف في مواجهة آثار الحرب.

من سيرة الأسرة إلى سيرة المدينة:

من مظاهر النضج البنائي في الرواية أن الحرب لا تُسقط على شخصية رغد من الخارج دفعة واحدة، وإنما تأتي بعد تمهيد طويل لحياتها الأسرية. فالرواية تبدأ بالماضي، وتستعيد طفولة الأم، ثم علاقة الأم بالأب، ثم غياب الأب، ثم طفولة رغد في كريتر، ثم انتقالها إلى المدرسة والعمل ومشروعاتها الصغيرة.


وقد يبدو هذا التمهيد للوهلة الأولى ابتعادًا عن موضوع الحرب، لكنه في الحقيقة يؤسس لفهم الشخصية قبل أن تختبرها الحرب.

فالحرب لا تصنع الشخصية من الصفر؛ إنها تكشف ما كان فيها أصلًا، وتدفع بعض إمكاناتها إلى الظهور.


إن رغد التي اعتادت منذ طفولتها الاعتماد على نفسها، والتي اشتغلت في المتاجر، وابتكرت مشروعاتها الصغيرة، وحرصت على التعليم، هي نفسها التي ستجد في الحرب القدرة على تحمل مسؤولية أمها وجدتها والبحث عن الطعام والدواء.


ومن هنا تتحول الرواية تدريجيًا من سيرة فتاة إلى سيرة مدينة من خلال فتاة.

عدن لا تظهر بوصفها خلفية جغرافية صامتة. إنها تدخل في نسيج التجربة. الشوارع التي كانت رغد تهرب إليها من البيت تصبح شوارع للحرب؛ والمدرسة التي كانت فضاءً للأحلام تحل محلها فضاءات الخوف؛ والمدينة التي كانت تمنحها شيئًا من الحرية تصبح محاصرة.

وبذلك يحدث التحول الأشد إيلامًا: المكان الذي كان يحتضن الشخصية يتحول إلى مكان يحتاج إلى من ينقذه.

عدن: المكان الذي يتحول إلى ذاكرة

للمكان في (تحت الرماد) وظيفة تتجاوز تحديد مواقع الأحداث. فذكر كريتر والتواهي وخور مكسر وغيرها من أمكنة عدن يمنح الرواية ملمسها الواقعي، لكنه في الوقت نفسه يجعل المكان حاملًا للذاكرة.

إن عدن التي تخرج منها رغد في أثناء النزوح ليست عدن التي عرفتها قبل الحرب. وحين تستعيد صورها من داخل الحافلة، فإنها لا تستعيد مجرد مشاهد للدمار، وإنما تستعيد حياة كاملة فقدت انتظامها: لا ماء، ولا كهرباء، ولا وقود، ولا دواء، وقذائف تتساقط، وشهداء يودعهم الناس بصورة تكاد تتحول إلى عادة يومية.


وهنا تتحول المدينة إلى ما يشبه الذاكرة الخارجية للشخصية. فما لا تستطيع رغد أن تقوله عن نفسها تقوله المدينة من خلال آثار الدمار.

ولهذا يمكن أن نقرأ عدن في الرواية بوصفها شخصية صامتة، لا تتكلم بلسان مستقل، لكنها تترك أثرها في كل شخصية وكل مشهد. فالمدينة المجروحة تعكس الجرح الداخلي لرغد، وحين تحاول المدينة أن تستعيد حياتها، تبدأ رغد هي الأخرى في استعادة حياتها.

الحرب بوصفها امتحانًا للوعي

لا تقدم الرواية الحرب بوصفها سلسلة من الأحداث فحسب، وإنما بوصفها امتحانًا للوعي.

قبل الحرب، كانت رغد تفكر في الدراسة والعمل والاستقلال والمستقبل. وبعد اندلاعها، يتغير ترتيب الأشياء. يصبح الحصول على الطعام إنجازًا، والعثور على الدواء معركة، والوصول إلى مكان آمن حلمًا، والبقاء على قيد الحياة مشروعًا يوميًا.

وهنا تنجح الرواية في التقاط إحدى أكثر المفارقات مأساوية في الحروب: كلما تقلص العالم الخارجي، اتسع الخوف داخل الإنسان.

فالبيت الذي كان يفترض أن يكون ملاذًا يصبح مكانًا للاختباء، والليل الذي كان وقتًا للراحة يصبح زمنًا للترقب، والطرق التي كانت تعني الحركة تصبح احتمالًا للموت.

وفي أحد مشاهد القصف تختبئ رغد تحت الأثاث، وتدرك أنها لا تريد أن تموت، وأن لديها أشياء كثيرة لم تفعلها بعد.

هذه اللحظة بالغة الدلالة؛ لأن الشخصية لا تواجه الموت بوصفه فكرة فلسفية، وإنما بوصفه احتمالًا جسديًا مباشرًا. وهنا ينتقل السرد من الحديث عن الحرب إلى تجسيد أثرها في الوعي.

الحرب في هذه اللحظة ليست دبابة ولا قذيفة، بل ذلك السؤال البسيط والمخيف: هل سأعيش حتى الغد؟

هندسة الضمير السردي:

ومن الجوانب الفنية التي تستحق الوقوف عندها اعتماد الرواية على التحول بين ضمير المتكلم وضمير الغائب.

في القسم الأول تتولى رغد سرد تجربتها بصوت (الأنا)، وهو اختيار يقرّب القارئ من التجربة ويجعل الحرب تُروى من الداخل. نحن لا نرى رغد فقط، بل نسمع خوفها وترددها وارتباكها وذاكرتها.

ثم يظهر السرد بضمير الغائب في موضع لافت، قبل أن يعود صوت (الأنا)، بينما يستقر السرد في الجزء الثاني على ضمير الغائب بصورة أوضح.

ولا أرى في هذا الانتقال مجرد تنويع أسلوبي، بل يمكن النظر إليه بوصفه حركة بين المعاش والمروي، وبين الذات والآخر، وبين التجربة والذاكرة.

فالأنا شديدة الالتصاق بالحدث. إنها تقول: (أنا رأيت، أنا خفت، أنا عشت). أما الغائب فيمنح السرد مسافة أكبر، ويتيح النظر إلى رغد من الخارج، كما لو أن الشخصية أصبحت جزءًا من حكاية أوسع من حكايتها الشخصية.

وبذلك يتحول تغير الضمير إلى تغير في موقع الرؤية.

وهذه التقنية تمنح الرواية فرصة للانتقال من سيرة الذات إلى سرد الجماعة. فما بدأ باعترافات فتاة عن بيتها وأمها وطفولتها يتسع تدريجيًا ليشمل النازحين والشهداء والمقاتلين والمستشفيات ومدينة عدن كلها.

المرأة في مواجهة الحرب:

من المهم أيضًا أن الحرب في (تحت الرماد) لا تُرى من موقع القوة العسكرية، وإنما من موقع الحياة اليومية التي تتولى المرأة في الغالب إدارة تفاصيلها.

الأم المريضة، الجدة، رغد، النساء النازحات، الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن في المستشفيات؛ كل هذه الصور تجعل الحرب مرئية من زاوية مختلفة.

إنها الحرب كما تدخل المطبخ وغرفة النوم والمستشفى وذاكرة الأم.

ولهذا لا تحتاج الرواية إلى أن تجعل رغد مقاتلة كي تجعلها شخصية مقاومة. فمقاومتها تظهر في العمل، والتعليم، والإصرار على الاستقلال، والعناية بأسرتها، ثم في الكتابة والإعلام والعمل الإغاثي.

وهذا يوسع مفهوم البطولة في الرواية. فالبطل ليس بالضرورة من يحمل السلاح؛ قد يكون من يحمل أسرة كاملة فوق كتفيه، أو من يرفض أن يسمح للحرب بأن تنتزع منه حقه في المستقبل.

من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية:

من أجمل التحولات التي تنجزها الرواية انتقالها من حكاية رغد إلى حكايات الآخرين. ففي المخيم، مثلًا، لا تعود الشخصية وحدها مركز الألم؛ إذ تلتقي بنازحين من مناطق مختلفة، وتسمع شهاداتهم، وتتعرف إلى صور الضحايا.

وهنا تتسع وظيفة السرد: لم تعد رغد تروي قصتها وحدها، وإنما تصبح وسيطًا للذاكرة.

وهذا أمر مهم في أدب الحرب؛ لأن الذاكرة الفردية قد تكون معرضة للنسيان أو التشويه، بينما تتحول الرواية إلى مساحة لحفظ أصوات متعددة.

إن كل شخصية عابرة في هذا القسم تحمل معها جزءًا من الحرب، ولذلك تتشكل الرواية من مجموعة دوائر تتقاطع في مركز واحد: عدن الجريحة.

ومن هنا يمكن القول إن (تحت الرماد) تشتغل، ولو بصورة غير مباشرة، على بناء ذاكرة سردية للحرب؛ ذاكرة لا تدعي أن تكون تاريخًا شاملًا، وإنما تقدم ما يستطيع الأدب وحده أن يقدمه: الوجه الإنساني للحدث.

بين التوثيق والتخييل:

وإذا كانت الرواية تستند إلى وقائع معروفة من حرب 2015، فإن قراءتها بوصفها وثيقة تاريخية فقط تنتقص من طبيعتها الفنية.

فالأدب لا ينافس المؤرخ في تسجيل الوقائع، ولا ينافس الصحفي في نقل الأخبار. وظيفته مختلفة: إنه يعيد تشكيل الواقعة داخل بنية تخييلية تجعلها قابلة لأن تُعاش مرة أخرى من خلال القراءة.

ولهذا فإن التفاصيل الواقعية في الرواية لا تكتسب أهميتها من كونها معلومات عن الحرب فقط، وإنما من قدرتها على بناء إيهام سردي بالمعايشة.

فالمدينة، والبيت، والمخبز، والمستشفى، والحافلة، والمخيم، والقذيفة، والباب الذي يُطرق في لحظة خوف؛ كلها تتحول من تفاصيل واقعية إلى عناصر في هندسة روائية تجعل القارئ قريبًا من التجربة.

ومن هنا يكون نجاح الرواية في المسافة التي تقيمها بين الواقع والتخييل: فهي لا تهرب من الواقع إلى الخيال، ولا تستسلم للواقع بحيث تتحول إلى تقرير، وإنما تجعل من الواقع مادة أولية لإنتاج المعنى الأدبي.

ما بعد الحرب: هل تنتهي الحرب فعلًا؟:

لعل السؤال الأعمق الذي تطرحه الرواية يأتي في نهايتها.

فبعد أن تنجو رغد من الحرب، وتتعلم، وتتخرج، وتسافر، وتتزوج وتطلق، ثم تعود إلى عدن، تبدو الحياة وكأنها استعادت مسارها. لكن ظهور طارق في المستشفى جريحًا يعيد فتح الجرح.

هنا يتبين أن الحرب التي ظنت رغد أنها انتهت لم تنته في الحقيقة.

ولهذا فإن الحوار الأخير بين الزوجين يحمل قيمة بنائية تتجاوز وظيفته المباشرة. حين تسأله رغد: (في الحرب جنحت إلى السلم والهروب، وفي السلم ذهبت لتتجند؟)، يأتي جوابه ليقلب السؤال كله: (أي سلم؟)

إنها لحظة اكتشاف أن السلام الظاهري لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب.

ثم تأتي عبارته: (أردت أن أفعل شيئًا يعيد لي إحساسي بالحياة)، لتنقل النقاش من السياسة إلى الوجود. فالمقاتل هنا لا يقدم نفسه بوصفه عاشقًا للحرب، وإنما بوصفه إنسانًا يبحث، من داخل تجربته، عن معنى لحياته.

ثم تأتي الجملة الختامية: (من براثن الحرب ننتزع السلام. خلقنا لنعيش أحرارًا).

وسواء اتفق القارئ مع الرؤية التي تحملها هذه العبارة أم اختلف معها، فإنها تؤدي وظيفتها الفنية بوضوح: تغلق الدائرة التي بدأت بالخوف وتنتهي بالبحث عن معنى الحرية.

تحت الرماد... الحياة:

حين نصل إلى نهاية الرواية، يعود عنوانها ليكتسب معناه الكامل.

فالرماد هنا ليس مجرد أثر للحريق. إنه صورة للعالم الذي عاشته رغد: أسرة متعبة، طفولة مكسورة، مدينة محاصرة، أم تفارق الحياة، نزوح، موت، ثم حياة تحاول أن تستعيد نفسها.

لكن ما تحت الرماد هو الأهم.

هناك تبقى رغبة رغد في التعلم والعمل. وتبقى علاقتها بالكتابة. وتبقى ذاكرتها. ويبقى تعلقها بعدن. ويبقى بحثها عن معنى لحياتها بعد الحرب.

إن عيشة صالح لا تكتب الحرب لكي تقول إن الإنسان يموت، وإنما تكتبها لكي تقول شيئًا أكثر تعقيدًا: إن الإنسان، حتى حين يلامس الموت، يظل مشدودًا إلى الحياة.

وهنا تكمن القيمة الأعمق للرواية.

فـ(تحت الرماد) ليست رواية عن الحرب بالمعنى المباشر فقط؛ إنها رواية عن النجاة من الحرب داخل الإنسان. عن تلك المسافة الدقيقة بين أن يعيش المرء الحدث وأن يسمح للحدث بأن يحدد ما تبقى من حياته.

ورغد، في نهاية المطاف، ليست شخصية واحدة بقدر ما هي صورة للإنسان الذي اضطرته الحرب إلى أن يكبر قبل أوانه، وأن يكتشف قوته في اللحظة التي كان يظن فيها أنه أضعف ما يكون.

أما عدن، فإنها في الرواية أكثر من مدينة. إنها الذاكرة التي تستعيد نفسها، والمكان الذي يُجرح ثم يحاول أن ينهض، والفضاء الذي تتقاطع فيه حكايات الذين عاشوا الحرب ونجوا منها أو غابوا فيها.

لهذا أجد أن أجمل ما يمكن أن نقوله عن هذه الرواية أنها تحاول أن تفعل ما يفعله الأدب الحقيقي في مواجهة الكارثة: أن تمنح الألم شكلًا، وللذاكرة صوتًا، وللضحايا حضورًا، وللناجين حقهم في الحكاية.

لقد جاءت الحرب لتترك وراءها الرماد، لكن الرواية جاءت لتفتش عمّا بقي تحته.

فتحت الرماد وجدت الكاتبة مدينة. وتحت المدينة وجدت إنسانًا. وتحت الإنسان وجدت ذاكرة.

وفي عمق الذاكرة وجدت تلك الجمرة التي لم تستطع الحرب أن تطفئها:

الحياة.