لا يمكن فهم الموقف الجنوبي من السعودية بمعزل عن عقود من التجارب والمواقف. فما يبدو للبعض كرهاً أو عداءً عابراً، هو في حقيقة الأمر ذاكرة سياسية طويلة، تشكلت من جراح الحدود، ومنع الثروة، وابتزاز القضية، وقصف الحلفاء، وتفاهمات سرية. ولهذا، من الطبيعي أن ينظر كثير من الجنوبيين إلى السعودية كخصم لا كحليف.
أولاً: جرح الحدود والتوسع
في مطلع الستينيات، وفي إطار سياسة توسعية، سيطرت السعودية على منطقة شرورة بلا وجه حق. ولم تكتفِ بذلك، بل أحكمت سيطرتها على الوديعة، إثر حرب الوديعة الحدودية مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي اندلعت في 27 نوفمبر 1969. وقد مكّنها الدعم البريطاني والأمريكي من السيطرة على الوديعة وشرورة وخرخير وعروق الشيبة، ثم ثُبّت ذلك لاحقاً بموجب معاهدة جدة الموقّعة عام 2000. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل جرح مفتوح في الذاكرة الجنوبية.
ثانياً: منع النفط.. حصار الثروة
عملت السعودية، على تعطيل استخراج النفط في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، عبر تقديم رشاوى كبيرة لشركات نفط روسية وأمريكية وإيطالية وغيرها، مقابل الامتناع عن الاستخراج، بل وتخريب الآبار وردمها بالأسمنت. وقد سعت بذلك إلى هدفين: الأول إبقاء الجنوب ضعيفاً، لأن استخراج النفط كان سيجعله دولة قوية ومتطورة، بشعبٍ قليل ومتعلم وواعٍ. والثاني منع تدفق كميات كبيرة من النفط إلى السوق قد تتجاوز النفط السعودي وتؤدي إلى انخفاض الأسعار. ولهذا عملت على تأجيل خروج هذا النفط مئة عام، ونجحت في إقناع الاتحاد السوفييتي بالتعاون معها، لأنه كان أيضاً من كبار مصدّري النفط.
ثالثاً: القضية الجنوبية بين الابتزاز والصفقات
لم تدعم السعودية مطالب الجنوبيين في الاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن على حدود ما قبل 1990، بل استغلت القضية الجنوبية للضغط على نظام صنعاء، واشترطت عليه عدم دعم الجنوبيين، والوقوف مع الشماليين ومع الوحدة اليمنية، مقابل توقيع معاهدة جدة عام 2000. وقد حققت من خلالها هدفين استراتيجيين: تثبيت سيطرتها على شرورة والوديعة وخرخير وعروق الشيبة، وإلغاء معاهدة الطائف الموقعة في عام 1934م بين الملك عبد العزيز آل سعود والإمام يحيى حميد الدين (إمام المملكة المتوكلية اليمنية). والتي كانت بموجبها جيزان ونجران وعسير مؤجّرة للسعودية. وهكذا حُرم الجنوبيون من الاستقلال، وتسبّبت هذه الصفقة في معاناتهم لعقود.
رابعاً: من التحرير إلى القصف
بعد أن وجد الجنوبيون في الإمارات حليفاً صادقاً، قدّم لهم الدعم السخي، وبنى جيشاً جنوبياً قوياً، تمكنت القوات المسلحة الجنوبية من تحرير حضرموت والمهرة من قوات الاحتلال الشمالية خلال فترة وجيزة، وصار الجنوب على بعد خطوة من الاستقلال واستعادة دولته. لكن في تلك اللحظة، فوجئ الجنوبيون بالطيران السعودي يقصف القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة، ويقتل المئات، ويخرج القوات الجنوبية بالقوة، ويخرج الإمارات من المشهد، ويمنع دعمها للجنوب. ثم جاء الانتقام من الرئيس عيدروس الزبيدي، ومحاولة حل المجلس الانتقالي، والدعوة إلى حوار جنوبي-جنوبي، بهدف هدم كل المكاسب السياسية التي تحققت خلال عشر سنوات، وإعادة القضية الجنوبية إلى المربع صفر.
خامساً: تفاهمات سرية ومشروع استراتيجي
كل ذلك لم يحدث من فراغ، بل جاء بموجب تفاهمات سرية بين السعودية والحوثي والإخوان، تسعى من خلالها السعودية من تحقيق أهدافها الاستراتيجية أخرى تتمثل أهمها في السيطرة على حضرموت وشبوة والمهرة، والحصول على منفذ بحري على البحر العربي، لما لذلك من أهمية كبرى في تنفيذ مشروع مدّ أنبوب نفط لتصدير النفط السعودي عبر البحر العربي، لتجاوز تهديد إغلاق مضيق هرمز.
الخلاصة
هذه العوامل الخمسة تؤكد، أن السعودية لم تكن يوماً في صف الجنوب العربي، بل كانت السبب الرئيسي في منع استقلاله واستعادة دولته وعاصمتها عدن، وتقف خلف كثير من المعاناة والقهر والظلم الذي لحق بالشعب الجنوبي على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ولا يزال قائماً حتى اللحظة. وكانت السعودية مع الشمال ضد الجنوب دوماً، من أجل مصالحها وأطماعها وأهدافها الاستراتيجية.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو من الطبيعي أن يحمل الجنوبيون هذا الموقف من السعودية. فقد يكون الكره نتيجة، لكنه ليس عاطفة فارغة؛ إنه ذاكرة سياسية صنعتها أفعال ومواقف، لا مجرد خطاب.