لم تكن حرب اليمن مجرد نزاع محلي، ولا صراعاً على سلطة أو أرض فحسب. فمن يتابع التحليلات السياسية والعسكرية عبر قنوات مختلفة، يجد أن الحديث يدور دائماً حول أمن قومي وإقليمي، وممرات بحرية دولية، ومصالح اقتصادية، ثم يُربط كل ذلك بالسياسة والقوة العسكرية والسيطرة على الأرض.
منذ زمن طويل، رُوّج لمصطلح «الشرق الأوسط الجديد»، وصدّقنا نحن العرب هذا الكلام، ومشينا خلفه دون أن نعرف حقيقة الصورة التي يريدون الوصول إليها. ولهذا ظلّ العرب منقسمين، وكل طرف يفكر في مصلحته وأمنه الضيق، بينما الخريطة الكبرى تُرسم فوق رؤوس الجميع.
طوال سنوات، سمعنا عن قوات عسكرية وأساطيل ضخمة تتواجد في البحر الأحمر بحجة حمايته. لكن السؤال البديهي الذي لم يُطرح بجدية: حمايته من ماذا؟ ومن يهدد هذا الممر الدولي فعلاً؟ واليوم، بعد أن أصبح الحوثيون على مقربة من باب المندب، ماذا فعلت تلك الأساطيل؟ وماذا قدمت أمام جماعة تصفها واشنطن وحلفاؤها بأنها تهدد السلم والأمن الدوليين؟ ومع ذلك، الجميع يتفرج، وأمريكا ترفض خوض حرب مباشرة ضد الحوثي، بينما تتحدث عن حماية مصالحها.
ونحن اليمنيون، أين موقعنا من هذا كله؟ كنا نتمنى أن يخرج من نخبتنا السياسية رجل شجاع، أو صاحب عقل استراتيجي، ليفسر لنا الموقف العام. أو أن يقدم محلل عسكري قراءة واقعية لما حدث. لكن النتيجة كانت صمتاً مطبقاً، واتهامات لا تستند إلى دليل.
ما حدث في الساحل الغربي ليس حدثاً عابراً، بل يحتاج إلى دراسة بحثية وواقعية، بالجلوس مع من كانوا هناك وعاشوا الواقع بعيداً عن الانحياز، لتقييم ما جرى: كيف انسحبت كل تلك القوة العسكرية؟ وعلى أي أساس تم الانسحاب؟ ولمصلحة من؟
ما أريد قوله إن ما حصل في الساحل الغربي سيفتح شهية الحوثي لأطماع أكبر، وقد يدفعه إلى محاولة إعادة السيطرة على اليمن بالكامل. وإذا استطاع الحوثيون إسقاط مأرب والسيطرة عليها، فتأكدوا أنهم سيسيطرون على اليمن كله في وقت قصير.
الحوثي اليوم ليس كالحوثي بالأمس. وفي المعارك هناك قاعدة أساسية اسمها «تقدير الموقف»، وتعني أولاً دراسة العدو ومعرفة قدراته: قوته، سلاحه، إمكاناته، قوامه، طبيعة الأرض، الطقس والمناخ، وحالته المعنوية. وفي المقابل، ندرس قدرتنا نحن، وسلاحنا، وكيف يمكن أن نواجهه.
هل قدّرنا الموقف حقاً؟
هل أعددنا خطة الإجراءات؟
هل اتخذنا قراراً؟
أين الدولة؟ وأين الحكومة؟ وأين الوزارة المعنية؟
أين محافظو المحافظات واللجان الأمنية؟ وماذا فعلت؟ وكيف استعدت؟
اليمن اليوم يحتاج إلى إجابات واضحة، لا إلى مزيد من البيانات. والصمت في لحظة كهذه ليس حياداً، بل هو جزء من المشكلة.