آخر تحديث :الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - 12:01 ص

كتابات


السعودية والإخوان.. هل حان وقت مراجعة الحسابات؟

الثلاثاء - 15 سبتمبر 2026 - 11:36 م بتوقيت عدن

السعودية والإخوان.. هل حان وقت مراجعة الحسابات؟

كتب/صالح حقروص

في السياسة، لا تكمن خطورة الأخطاء في وقوعها مرة واحدة، وإنما في تكرارها دون مراجعة أو محاسبة أو استخلاص الدروس. وعندما تتراكم الإخفاقات في ملفات متعددة، من الطبيعي أن يطرح المراقبون سؤالًا جوهريًا: هل المشكلة في الظروف المحيطة، أم في طريقة صناعة القرار نفسها؟

ومن هذا المنطلق، تبرز فرضية تستحق النقاش بجدية داخل المملكة العربية السعودية، وهي حجم النفوذ الذي استطاعت جماعة الإخوان المسلمين، أو شخصيات محسوبة عليها، الوصول إليه داخل دوائر التأثير وصناعة القرار، وما إذا كان هذا النفوذ قد أسهم في توجيه بعض السياسات السعودية بعيدًا عن المصالح الاستراتيجية للمملكة.


هذه ليست مسألة مرتبطة بشخص أو موقف عابر، وإنما قضية تتعلق بمسار سياسي كامل شهد خلال السنوات الماضية قرارات وتحولات استراتيجية تستحق إعادة القراءة.


اليمن.. الاختبار الأوضح


ربما يمثل الملف اليمني المثال الأكثر وضوحًا على حجم التناقضات التي رافقت السياسة السعودية.

ففي أغسطس/آب 2019، كانت قوات التحالف العربي تخوض معارك ضد الحوثيين، وكانت جبهات عدة تقترب من مناطق استراتيجية مهمة. وفي الوقت الذي كان يفترض فيه توحيد الجهود في مواجهة الحوثيين، انفجرت المواجهة بين القوى المناهضة لهم داخل الجنوب.

سيطرت قوات محسوبة على الإخوان على شبوة وأبين، وحاولت التقدم باتجاه عدن، الأمر الذي فتح جبهة جديدة في وقت كانت فيه المعركة الأساسية يفترض أن تكون ضد الحوثيين.

وبدعم إماراتي، تمكنت القوات الجنوبية من منع سقوط عدن.

لكن بدلًا من أن تكون تلك الأحداث نقطة مراجعة حقيقية، بدأت مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات، انتهت عمليًا إلى تقليص الدور الإماراتي في الملف اليمني.


والسؤال هنا ليس من باب تسجيل المواقف، بل من باب قراءة النتائج:


ماذا ربحت السعودية من إضعاف حليفها الإماراتي في اليمن؟ وماذا ربحت من الصدام مع القوى الجنوبية التي كانت تقاتل الحوثيين والتنظيمات الإرهابية؟


اتفاق الرياض.. اتفاق بقي دون تنفيذ


بعد أشهر، وتحديدًا في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وقعت الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي اتفاق الرياض برعاية المملكة العربية السعودية.

كان الاتفاق يمثل فرصة لإعادة تنظيم المشهد السياسي والعسكري، وفتح الطريق أمام توحيد القوى المناهضة للحوثيين.


لكن السنوات مرت، وبقيت بنود رئيسية من الاتفاق دون تنفيذ كامل.


ومن أبرز القضايا التي ظلت عالقة ملف القوات العسكرية الموجودة في حضرموت والمهرة، والتي كان يفترض إعادة انتشارها وفق الترتيبات التي نص عليها الاتفاق.


وهنا تظهر مفارقة كبيرة:


إذا كانت السعودية هي الراعي والضامن للاتفاق، فلماذا استمر تعطيل بنوده لسنوات؟

ولماذا لم تستخدم الرياض ثقلها السياسي والعسكري لفرض تنفيذ اتفاق كانت هي نفسها الطرف الضامن له؟


هذه الأسئلة لا يمكن تجاوزها بمجرد تحميل طرف واحد مسؤولية التعطيل؛ لأنها في النهاية تتعلق بقدرة السعودية على إدارة التحالف الذي تقوده.


الإمارات.. الحليف الذي تحول إلى خصم؟


من أكثر القرارات التي تستحق التأمل أيضًا الطريقة التي انتهت بها الشراكة السعودية الإماراتية في اليمن.


الإمارات لم تكن مجرد دولة مشاركة في التحالف، بل كانت لاعبًا رئيسيًا في مواجهة الحوثيين ومكافحة التنظيمات الإرهابية، وقدمت دعمًا عسكريًا وأمنيًا للقوات الجنوبية وقوات الساحل الغربي.


ومع خروج الإمارات من وجودها العسكري الرئيسي، بقي أثرها السياسي والعسكري واضحًا في عدد من الملفات.


ومن وجهة نظر منتقدي السياسة السعودية، فإن إضعاف هذا الدور لم يكن في مصلحة الرياض، خصوصًا في ظل عدم وجود بديل واضح قادر على القيام بكل المهام التي كانت أبوظبي تؤديها.


والأخطر من ذلك أن إضعاف الحليف قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: بدل أن تصبح السعودية أكثر قوة وسيطرة، تجد نفسها أمام أعباء أكبر وحلفاء أقل.


من يقاتل الحوثي ومن يدفع الثمن؟


المشكلة الأساسية في اليمن أن القوى المناهضة للحوثيين لم تنجح حتى اليوم في بناء استراتيجية موحدة.

وبدلًا من أن يكون الهدف هو إسقاط مشروع الحوثيين واستعادة الدولة، تحولت أجزاء كبيرة من الصراع إلى تنافس على النفوذ والمناطق والموارد.

وفي مثل هذه البيئة، يصبح المستفيد الأول هو الطرف الذي يملك مشروعًا أكثر تنظيمًا وقدرة على استغلال الانقسامات.

وهذا تحديدًا ما حدث مع الحوثيين.

فكلما انشغلت القوى المناهضة لهم بصراعاتها الداخلية، حصل الحوثيون على مزيد من الوقت لإعادة تنظيم صفوفهم وتثبيت سيطرتهم وتعزيز قدراتهم.


الساحل الغربي.. صراع آخر داخل المعسكر المناهض للحوثي


ينطبق الأمر ذاته على الساحل الغربي، حيث أصبحت قوات طارق صالح لاعبًا عسكريًا مهمًا في مواجهة الحوثيين.

وبدل أن يتم التعامل مع هذه القوات باعتبارها جزءًا من المعسكر المناهض للحوثيين، دخلت في حسابات سياسية وصراعات نفوذ بين أطراف متعددة.


وهنا لا يعود السؤال: من يسيطر على هذه المنطقة أو تلك؟


بل يصبح السؤال الأهم:


هل تعمل جميع القوى المناهضة للحوثيين ضمن استراتيجية واحدة، أم أن كل طرف يخوض حربه الخاصة؟


إذا كان الاحتمال الثاني هو الأقرب إلى الواقع، فإن المشكلة ليست في قوة الحوثي وحدها، وإنما في ضعف وتشتت خصومه.


التحالفات السعودية.. هل تحتاج الرياض إلى مراجعة؟


الملف اليمني ليس القضية الوحيدة التي تستوجب المراجعة.


فالسعودية دولة محورية في المنطقة، وأي تحول في تحالفاتها الدولية والإقليمية ينعكس بصورة مباشرة على ميزان القوى.

وفي السنوات الأخيرة، شهدت الرياض انفتاحًا متزايدًا على قوى إقليمية مختلفة، من بينها تركيا وباكستان، بالتزامن مع تعقيدات متزايدة في العلاقة مع الولايات المتحدة.

ومن حق السعودية، بالطبع، أن تنوع شراكاتها وأن تبحث عن مصالحها أينما وجدت.

لكن تنويع التحالفات شيء، واستبدال تحالف استراتيجي بآخر دون حساب دقيق للتداعيات شيء مختلف تمامًا.


فالسياسة الخارجية الناجحة لا تُبنى على ردود الفعل، ولا على الخصومات الشخصية، ولا على الولاءات التنظيمية، وإنما على حساب المصالح بعيدة المدى.


الخطر الحقيقي ليس الإخوان وحدهم


ومع ذلك، فإن اختزال جميع مشكلات السعودية في جماعة الإخوان سيكون تبسيطًا مخلًا.

فالدول الكبرى تواجه أخطاءً في التقدير، وتضاربًا في المصالح، وضغوطًا إقليمية ودولية، وتنافسًا بين مراكز القوى.


لكن السؤال الذي يستحق البحث هو:


هل تمكنت جماعة الإخوان، أو شخصيات محسوبة عليها، من التأثير في بعض القرارات السعودية بصورة أكبر مما ينبغي؟


إذا كانت الإجابة نعم، فهذه ليست مشكلة تنظيم سياسي فحسب، بل مشكلة أمن قومي.

لأن الدولة لا تستطيع أن تسمح لأي تنظيم، مهما كان اسمه أو شعاراته، بأن يجعل مصالحه التنظيمية تتقدم على مصالح الدولة.


السعودية أمام اختبار المراجعة


اليوم، لا تحتاج السعودية إلى البحث عن شماعة تعلق عليها كل إخفاقاتها، وإنما تحتاج إلى مراجعة شجاعة.


مراجعة للسياسة في اليمن.


مراجعة للتحالفات.


مراجعة لطريقة التعامل مع القوى الجنوبية.


مراجعة للعلاقة مع الإمارات.


ومراجعة أيضًا لكل من كان له تأثير في صناعة القرار خلال السنوات الماضية.


فالدول القوية ليست تلك التي لا تخطئ، وإنما تلك التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بالخطأ وتصحيحه.


أما الاستمرار في السياسات نفسها، مع انتظار نتائج مختلفة، فهو أخطر ما يمكن أن تفعله أي دولة.


ويبقى السؤال الأكبر:


هل تدرك السعودية أن الخطر الحقيقي قد لا يأتيها دائمًا من الخارج، وإنما قد يبدأ من داخل منظومة صناعة القرار نفسها؟


وهل حان الوقت لإعادة تقييم نفوذ التنظيمات والتيارات السياسية داخل دوائر القرار، والتأكد من أن البوصلة السعودية لا تتجه إلا نحو مصلحة المملكة وأمنها ووحدتها؟


فالتحالفات تتغير، والظروف تتبدل، والخصوم يتبدلون، لكن مصلحة الدولة يجب أن تبقى ثابتة.


وفي نهاية المطاف، فإن السعودية أكبر من أي تنظيم، وأقوى من أي تيار، ومصلحتها يجب أن تكون فوق الجميع.