هناك شخصيات قيادية لا تقتصر مكانتها على المناصب التي تتولاها، بل تتجاوز ذلك بما تقدمه من عطاء للإنسانية، وما تتركه من آثار علمية وثقافية وحضارية للأجيال. ومن هذه الشخصيات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم إمارة الشارقة.
إن الحديث عن الشيخ سلطان القاسمي هو حديث عن حاكم جمع بين مسؤولية القيادة وشغف العلم، وبين الاهتمام ببناء الإنسان والمحافظة على الذاكرة التاريخية للأمم. فقد جعل من الثقافة والتعليم والبحث العلمي والمعرفة ركائز أساسية في مسيرة إمارة الشارقة، حتى أصبحت الإمارة حاضرة ثقافيا وعلميا على المستويين العربي والدولي.
ولم يقتصر عطاؤه على إدارة شؤون الحكم والتنمية، بل امتد إلى التأليف والبحث والتحقيق والتوثيق التاريخي، فقدم للمكتبة العربية مؤلفات مهمة في التاريخ والسياسة والجغرافيا والمسرح والأدب، واهتم بتحقيق الوثائق والمخطوطات وإبراز جوانب من تاريخ المنطقة العربية والخليج العربي، انطلاقا من إيمانه بأن الأمم التي تعرف تاريخها وتحافظ عليه تكون أكثر قدرة على فهم حاضرها وصناعة مستقبلها.
ومن الجوانب المميزة في تجربته اهتمامه بتاريخ الجزيرة العربية وسواحلها وسلاطينها، وحرصه على توثيق الأحداث والشخصيات التاريخية والرجوع إلى الوثائق والمخطوطات والمصادر الأصلية. وهذا الاهتمام بالتاريخ يمثل قيمة علمية وحضارية كبيرة، ولا سيما بالنسبة لأبناء اليمن، الذين يعتزون بتاريخهم العريق وتاريخ سلطنة لحج وما شهدته من أحداث وشخصيات وإسهامات في تاريخ جنوب الجزيرة العربية.
كما أن ما يميز تجربة الشارقة ليس الاهتمام بالعلم والثقافة وحدهما، وإنما الحرص على الجمع بين التقدم الحضاري والتمسك بالهوية والقيم الإسلامية الأصيلة. فقد أولى سموه اهتماما واضحا بالمحافظة على القيم والتعاليم والتشريعات الإسلامية، وتعزيز مكانة الأسرة وترابط المجتمع، وترسيخ الأخلاق والآداب الإسلامية في الحياة العامة، ودعم المساجد والمؤسسات الدينية والعلمية، وتشجيع حفظ القرآن الكريم والاهتمام باللغة العربية والتراث الإسلامي.
وهذه الرؤية تعكس إدراكا عميقا بأن التنمية الحقيقية لا تقاس بالمباني والطرق والمشروعات الاقتصادية فقط، وإنما بقدرتها على بناء إنسان متعلم ومتمسك بقيمه وهويته ودينه، وقادر على التعامل مع متغيرات العصر دون التفريط في ثوابته ومبادئه.
أما إمارة الشارقة، فقد أصبحت نموذجا حضاريا وثقافيا متميزا، بما تحتضنه من جامعات ومؤسسات علمية ومكتبات ومتاحف ومسارح ومراكز ثقافية، إلى جانب اهتمامها بالتراث العمراني وصيانة المباني التاريخية وإحياء المناطق القديمة والأسواق التراثية. وأصبحت وجهة للكتاب والمفكرين والباحثين، وموطنا لمعارض الكتب والفعاليات الثقافية التي تستقطب المهتمين بالعلم والمعرفة من مختلف أنحاء العالم.
ومن الجوانب التي تستحق التقدير أيضا اهتمام سموه بالعدالة والإنصاف واحترام قيمة الإنسان، وترسيخ مكانة العلم والثقافة في المجتمع، والعمل على أن تكون المؤسسات التعليمية والثقافية والدينية حاضرة في حياة الناس. فالعدل والاهتمام بالإنسان وصيانة حقوقه من أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة والمزدهرة.
إن تجربة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي تقدم صورة لحاكم جعل من العلم والتاريخ والثقافة والهوية الإسلامية محاور أساسية في مشروعه الحضاري، وأثبتت أن مسؤولية القيادة يمكن أن تجتمع مع شغف البحث والتأليف والتوثيق، وأن ما يتركه الحاكم من علم ومؤسسات وقيم راسخة قد يكون من أعظم ما تقدمه القيادة للأجيال.
ونسأل الله العلي القدير أن يحفظ صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وأن يمتعه بموفور الصحة والعافية وطول العمر، وأن يبارك في علمه وعطائه، وأن يجعل ما قدمه من جهود في خدمة العلم والثقافة والتاريخ والتراث والقيم الإسلامية في ميزان حسناته، وأن يكتب له القبول والمحبة والتوفيق والسداد، وأن يديم على إمارة الشارقة وأهلها نعمة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء والازدهار.
فالأمم لا تخلد قادتها بما شيدوه من مبان ومشروعات فحسب، وإنما بما تركوه من علم ومعرفة، وما غرسوه من قيم ومبادئ، وما حفظوه من تاريخ وهوية، وما أسسوه من مؤسسات تواصل العطاء للأجيال القادمة.