آخر تحديث :الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - 05:28 م

كتابات واقلام


السعودية والقضية الجنوبية.. حين تتناقض الوعود مع الوقائع

الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - الساعة 04:55 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


ليست المشكلة في أن تعلن المملكة العربية السعودية رعايتها لحوار جنوبي–جنوبي، ولا في أن تتحدث عن دعم القضية الجنوبية والحرص على مستقبل أبنائها؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في الفجوة الواسعة بين ما يُقال في الخطابات السياسية وما يعتقد قطاع واسع من أبناء الجنوب أنهم عايشوه من أحداث ومواقف خلال السنوات الماضية.

فكيف يُطلب من الجنوبيين أن ينظروا إلى الرياض بوصفها راعياً محايداً لحوار يحدد مستقبل قضيتهم، بينما لا تزال هناك اتهامات وتساؤلات جنوبية بشأن دورها في استهداف القوات الجنوبية، والضغط على قيادات المجلس الانتقالي، وإعادة تشكيل موازين القوى السياسية والعسكرية في الجنوب؟

وكيف يمكن بناء الثقة في مشروع حوار يُفترض أن ينصف إرادة الجنوبيين، في ظل مخاوف من أن تكون الترتيبات السياسية وسيلة لإضعاف تمثيلهم، وإقصاء القوى التي تمتلك حضوراً شعبياً وعسكرياً، وإعادة إنتاج نفوذ أطراف أخرى على حساب تطلعاتهم؟

إن القضية الجنوبية ليست ملفاً سياسياً يمكن إدارته خلف الأبواب المغلقة، ولا ورقة تفاوضية تستطيع أي دولة استخدامها وفق حساباتها الإقليمية. إنها قضية شعب يمتلك ذاكرة من التضحيات، وتاريخاً من الصراعات، وتطلعات لا يمكن تجاوزها بترتيبات فوقية أو تفاهمات تُصنع بعيداً عن إرادته.

والأخطر من ذلك أن الحوار الذي لا تسبقه ضمانات حقيقية، ولا تقوم عليه آليات تحضيرية واضحة، ولا يضمن استقلالية المشاركين وتكافؤهم، يصبح عرضة للتحول من فرصة للحل إلى وسيلة لإدارة الأزمة وشراء الولاءات وإعادة توزيع النفوذ.

إن الرياض مطالبة اليوم بأن تجيب عن سؤال جوهري: هل تريد حواراً جنوبياً حقيقياً يعبّر عن إرادة أبناء الجنوب، أم تريد صياغة مشهد سياسي جديد وفقاً لمصالحها وحساباتها؟

فالاختبار الحقيقي ليس في الدعوة إلى الحوار، ولا في استضافة المؤتمرات، ولا في إطلاق الوعود؛ بل في احترام إرادة الجنوبيين، ووقف كل ما من شأنه إضعاف حضورهم السياسي والعسكري، وضمان ألا تتحول رعاية الحوار إلى وصاية على القرار الجنوبي.

ومن المهم أن يدرك الجميع أن الجنوبيين ليسوا كتلة واحدة في مواقفهم من السعودية، وأن تقييم دورها يجب أن يستند إلى الوقائع والأدلة، لا إلى الشعارات وحدها. لكن الثقة لا تُفرض بالقوة، ولا تُشترى بالمال، ولا تُبنى بتغيير الوجوه والقيادات؛ بل تُبنى بمواقف واضحة وسياسات تحترم الحقوق والإرادة.

فإذا كانت السعودية صادقة في رعاية القضية الجنوبية، فعليها أن تثبت ذلك بالأفعال، لا بالوعود. أما الجنوب فليس أرضاً بلا أصحاب، وقضيته ليست دكاناً سياسياً، وإرادة شعبه ليست سلعة في سوق التحالفات.

والتاريخ لا يحفظ الوعود بقدر ما يحفظ المواقف، ولا يحاسب الشعوب على ما قيل لها، بل على ما حدث لها.