آخر تحديث :السبت - 13 أبريل 2024 - 06:25 ص

كتابات واقلام


أكتوبر الدروس والتحديات

الجمعة - 14 أكتوبر 2016 - الساعة 11:49 م

د. عيدروس نصر ناصر
بقلم: د. عيدروس نصر ناصر - ارشيف الكاتب


تهل علينا اليوم الذكرى الثالثة والخمسون لثورة الرابع عشر من أوكتوبر المجيدة هذا العامة في ظل تحديات كبيرة ينبغي على الجنوبيين وقواهم السياسية الارقاء بمستوى نضالهم وتلاحمهم إلى مستوى عمق وخطورة ومصيرية هذه التحديات. عندما انطلقت أولى رصاصات الثورة صبيحة الرابع عشر من أوكتوبر 1963م من منطقة ردفان في مواجهة غير متكافئة بين مجموعة من الفدائيين الذين أوقدوا الشعلة الأولى للثورة وبين جيش الإمبراطورية التي كانت الشمس لا تغيب عنها اعتقد الكثيرون ومنهم محللون استراتيجيون بريطانيون أنها حالة شغب مؤقت ستزول مثل كثير مما سبقها ، وأن الإمبراطورية العظمى وإحدى أقوى أربع دول في العالم لا يمكن أن تجرحها خربشات صبية يعبثون، لكن المعارك الأولى أظهرت أن الثوار لم يكونوا مجرد مجموعة من الصبية العابثين وأن إمكانياتهم القليلة وعددهم القليل يستمد قوته من عدالة القضية التي يؤمنون بها ومن العزيمة التي لا تعرف الكلل ولا التراجع والتي كان الثورا قد تسلحوا بها قبل أن يتسلحوا بسلاح الكندة والـ FN والكلاشنيكوف الذي لم يكن قد عرف هذا الانتشار الواسع. لم تمر سوى أربع سنوات حتى كان (الصبية العابثون) قد قهروا جيوش الإمبراطورية وسجلوا ملحمة قل نظيرها، أجبرت الدولة الاستعمارية على الاعتراف بحق الشعب في تقرير مصيرة وبناء دولته المستقلة واختيار طريقه الحر في التطور اللاحق. كثيرون من صانعي ثورة أوكتوبر المجيدة واستقلال نوفمبر المجيد اطرحوا سلاحهم وعادوا للعمل في مناطقهم إما كفلاحين أو كمعلمين أو تجار صغار أو موظفين حكوميين ولم يذهبوا للتسابق على الألقاب والمناصب أو على المنصات والمايكروفونات. إن عظمة الثوار الحقيقيين تمكن في نكران الذات ووضع المصالح الوطنية العليا فوق كل مصلحة، والتسابق على العطاء والتضحية، لا على الكسب وتحقيق المنافع، وهذا ما ميز هؤلاء الأبطال الذين أسعفنا القدر لمعايشة بعضهم ممن أطال الله بأعمارهم. إن ثورة الرابع عشر من أكتوبر يمكنها أن تعلمنا الكثير من الدروس والعبر التي يمكن استلهامها اليوم وجنوبنا الحبيب يواجه التحديات الكبيرة ويتعرض لمحاولات الاستدراج والتحايل من جديد بعد أن شق طريقه الشاق وحسم معركته باتجاه بلوغ تطلعات أبنائه، ولعل أهم الدروس التي يمكن تعلمها من ذكرى أوكتوبر: درس العزيمة والإصرار كقوة لا تنكسر في وجه الجيوش وأسلحتها، ودرس الاستعداد للتضحية إذ إن الحرية والكرامة لا تأتيان إلا بضريبة مرتفعة تستحقانها تتمثل بالتضحية بكل غال ونفيس، ودرس نكران الذات والتخلي عن الأطماع والمصالح الصغرى في سبيل المصلحة الوطنية العليا، ودرس الإيثار والمتمثل في الاستعداد للعطاء أكثر من أجل الوطن ومصالحه، ودرس التواضع والإنصات للجماهير وعيش همومها واستحضار معاناتها وتمثل إرادتها في معركة مواجهة التحديات المصيرية. إن أقل ما يمكن أن ينتظره الناس من احتفالات شعبنا بذكرى الثورة هذا العام هو أن تخرج من إطار النمطية والانتقال إلى دائرة الأفعال، من خلال ضغط الجماهير على ممثلي القوى السياسية الجنوبية للحوار والتقارب ورسم برنامج القواسم المشتركة التي يمكن على أساسها قيام تحالف وطني جنوبي عريض يستوعب كل المؤمنين بعدالة القضية الجنوبية وأحقيتها بالحل العادل الذي يستجيب لتطلعات السواد الأعظم من الجنوبيين، أما استمرار التنازع على حمل الصور والتسابق على الخطابات والاختلاف على تقاسم عضوية الهيئات واللجان والمماحكة على المفردات والسفاسف فلا يعد سوى خدمة مجانية لأعداء القضية الجنوبية وتعطيل طاقات الجنوبيين وتبديدها في المجالات التي لا تخدم القضية إن لم تكن تضرها وكل عام وأنتم بخير .