آخر تحديث :الأحد - 11 يناير 2026 - 02:02 ص

كتابات واقلام


عندما يتحول الوسيط إلى طرف في النزاع

السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 10:08 ص

عبدالكريم أحمد سعيد
بقلم: عبدالكريم أحمد سعيد - ارشيف الكاتب


في النزاعات المركبة، لا تختبر الأدوار الإقليمية بما يعلن من نوايا، بل بكيفية إدارة التوازنات القائمة، واحترام الفاعلين السياسيين الذين أفرزتهم الوقائع على الأرض. فالخط الفاصل بين الوسيط والشريك من جهة، والطرف المؤثر بالقوة من جهة أخرى، يكتشف عادةٌ عند أول محاولة لتجاوز الإرادة السياسية للآخرين أو إعادة تشكيلها بوسائل غير توافقية.

القضية الجنوبية، بما تحمله من ثقل سياسي وشعبي في معادلة الصراع اليمني، لم تعد ملفاً قابلاً للإدارة بالأدوات التقليدية أو بالمعالجات المؤقتة. فهي نتاج مسار طويل من التحولات والتضحيات، وبناء التمثيل السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه حاملاً لهذه القضية ومفوضاً من قبل الشعب بقيادة الرئيس القائد عيدرورس الزبيدي، الأمر الذي يجعل طريقة التعاطي معها اختباراً حقيقياً لمدى الالتزام بمبادئ الشراكة السياسية واحترام الخصوصيات المحلية.

في السياق السياسي الحديث، لم تعد الكيانات المنظمة مجرد تجمعات ظرفية يمكن تفكيكها أو إعادة توجيهها بإجراءات استثنائية، بل أصبحت تعبيراً عن إرادة جماعية متراكمة. وأي مقاربة تتجاهل هذه الحقيقة، أو تحاول القفز فوق البنى التنظيمية والقيادات المنتخبة أو المتوافق عليها، لا تضعف تلك الكيانات بقدر ما تضعف الثقة في البيئة السياسية برمتها، وتفتح الباب أمام مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

ومن منظور القانون الدولي والسياسة معاً، لا تنتج الشرعية ببيانات طارئة، ولا يعاد تشكيلها خارج الأطر المؤسسية المعترف بها. فقد أثبتت التجارب الإقليمية والدولية أن فرض الوقائع تحت الضغط قد يحقق نتائج آنية، لكنه غالباً ما يفشل في بناء تسويات مستدامة، ويراكم الإخفاقات بدلاً من معالجتها.

الأكثر حساسية في هذا المشهد، أن استهداف القيادة السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي، أو محاولة تحييدها عن قواعدها الاجتماعية، ينقل الخلاف من مستوى التباين السياسي إلى مستوى الصراع على الوجود والتمثيل. وعند هذه المرحلة، يتآكل دور الوساطة تلقائياً، ويتحول أي طرف خارجي – بحكم السلوك لا الخطاب – إلى جزء من الأزمة، لا جزء من الحل.

إن إدارة الملفات السياسية الشائكة، خصوصاً في السياقات السياسية المعقدة والمتعددة الفاعلين، تتطلب مقاربة تقوم على التفاهم، والاعتراف المتبادل، والالتزام بقواعد العمل السياسي، لا على منطق الإلغاء أو فرض الخيارات. فالقوة قد تفرض الصمت مؤقتاً، لكنها نادراً ما تنتج قبولاً حقيقياً أو استقراراً طويل الأمد.

خلاصة القول، إن القضايا ذات الجذور الشعبية العميقة، كقضية شعب الجنوب، لا يمكن اختزالها بإجراءات فوقية أو ضغوط خارجية، ولا حسمها بمعالجات قسرية. فالسياسة الرشيدة لا تقاس بقدرتها على الضغط، بل بقدرتها على استيعاب الواقع، واحترام الإرادة الشعبية، وبناء حلول قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن.

عبدالكريم أحمد سعيد