آخر تحديث :الثلاثاء - 13 يناير 2026 - 01:26 ص

كتابات واقلام


قراءة تحليلية هادئة لأحداث حضرموت

الإثنين - 12 يناير 2026 - الساعة 08:13 م

د. فؤاد الشعيبي
بقلم: د. فؤاد الشعيبي - ارشيف الكاتب


من الطبيعي تفهّم حالة الاحتقان في الشارع الجنوبي إزاء ما شهدته حضرموت، غير أن المقاربة الموضوعية تقتضي تجاوز الخطاب الانفعالي والقراءات السطحية التي تحاول بعض الأطراف توظيفها إعلامياً خارج سياقها الحقيقي فالمشهد بطبيعته مركّب، ويتجاوز في تعقيداته منطق ردود الأفعال أو التفسيرات الاختزالية التي تروّج لها منصات معادية للقضية الجنوبية.

وتبقى المسألة الأكثر حساسية في هذه التطورات هي الخسائر البشرية التي رافقت العمليات العسكرية، والتي تمثل مأساة إنسانية مؤلمة تستوجب التعاطي معها بمسؤولية أخلاقية وسياسية عالية، بعيداً عن أي استثمار دعائي أو توظيف سياسي غير مشروع فدماء أبناء الجنوب لا ينبغي أن تكون مادة للتجييش أو وسيلة للمزايدة، بل مدخلاً لتعزيز الحكمة وضبط الخطاب العام.

وفي الإطار القيادي، لا يمكن قراءة موقف الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي خارج منظومة القرار الاستراتيجي المنضبط فالرجل يتمتع بخبرة سياسية وقدرة عالية على إدارة الأزمات، ويدرك تماماً متطلبات المرحلة وحساسياتها. كما أن امتناعه عن الإدلاء بتصريحات متسرعة يعكس سلوكاً سياسياً مسؤولاً يقدّم المعالجة الهادئة على الشعبوية، ويؤكد أن إدارة الملفات الكبرى تتم وفق حسابات دقيقة لا تخضع للضغوط الإعلامية.

وبالمثل، فإن أي تحرّك صادر عن المملكة العربية السعودية لا يمكن تفسيره كإجراء آني أو رد فعل ظرفي فالمملكة تنتهج سياسة قائمة على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وتدير ملفاتها الإقليمية بمنهج مؤسسي واضح كما أن العلاقة التي تجمع المملكة ودولة الإمارات العربية المتحدة والمجلس الانتقالي الجنوبي تقوم على شراكات استراتيجية متينة، وأي تباينات محتملة تظل في إطار الاختلافات التكتيكية الطبيعية بين الحلفاء، دون أن تمس جوهر التفاهمات أو الأهداف المشتركة.

وعليه، فإن محاولات بعض الأطراف استثمار الحدث سياسياً أو تضخيمه إعلامياً لن تُحدث تغييراً حقيقياً في موازين القوى أو في اتجاهات المسار السياسي العام فالمعطيات على الأرض لم تشهد تحولات استراتيجية جوهرية، وهو ما يدحض الرهانات التي علّقها خصوم الجنوب على هذه التطورات.

أما فيما يتعلق بأبناء حضرموت، فإنهم يمتلكون وعياً سياسياً متقدماً وتجربة تاريخية عميقة، تجعلهم غير قابلين للانخراط في مشاريع الوصاية أو إعادة إنتاج التبعية بأشكالها المختلفة كما أن مجمل المؤشرات تؤكد أن المملكة لا تسعى إلى فرض مسار يتناقض مع الإرادة الشعبية الجنوبية أو يتجاوز تطلعاتها المشروعة.

ومن خلال قراءة مآلات الأحداث بعيداً عن الضجيج، يمكن رصد عدد من النتائج الأولية المهمة:
1. تم تجنّب المساس بجوهر القضية الجنوبية أو استفزاز الشارع الجنوبي بصورة مباشرة.
2. جرى الحفاظ على الطابع الجنوبي للقوات على الأرض، دون إحداث اختلالات بنيوية في المعادلة الأمنية.
3. أُطلق حوار جنوبي–جنوبي واسع، يُعد خطوة أساسية نحو إعادة ترتيب المشهد الداخلي وتعزيز الشراكة الوطنية الجنوبية.
4. صدرت مواقف رسمية من المملكة، على رأسها تصريح سمو الأمير خالد بن سلمان، أكدت دعم القضية الجنوبية وشرعيتها السياسية.
5. جاءت تصريحات المشاركين في الحوار الجنوبي بلغة إيجابية ساهمت في تهدئة الشارع وتعزيز الثقة بالمسار السياسي.
6. عبّر الشارع الجنوبي عن موقفه بشكل سلمي ومنظم عبر حراك جماهيري واسع، عكس درجة عالية من الوعي السياسي ووحدة الموقف الشعبي.

وبناءً عليه، يمكن القول إن هذه التطورات، رغم كلفتها الإنسانية، أسهمت عملياً في إعادة ضبط إيقاع القضية الجنوبية ضمن مسارها الطبيعي وقدمتها خطوة إلى الأمام، ولم تمثل انتكاسة استراتيجية كما تحاول بعض الجهات تصويرها.

أما الضجيج الإعلامي والتشفّي الذي رافق الحدث من قبل خصوم القضية الجنوبية، فيندرج في إطار محاولة استباقية للتأثير على الرأي العام، إدراكاً منهم بأن مآلات المشهد لن تخدم رهاناتهم السياسية. وهو خطاب يعكس حالة ارتباك أكثر مما يعكس قراءة واقعية.

الخلاصة: المرحلة الراهنة تتطلب قدراً عالياً من ضبط النفس، وتغليب لغة السياسة على خطاب التعبئة، والتركيز على النتائج العملية لا التصريحات الانفعالية. كما تستوجب تجنب أي إساءة للأطراف الشقيقة أو الانجرار خلف الاستفزازات المتعمدة، مع الاستمرار في مراقبة المسار السياسي والأمني وفق معايير المصلحة الوطنية الجنوبية العليا.

والله وليّ التوفيق.