آخر تحديث :الخميس - 29 يناير 2026 - 11:35 م

كتابات واقلام


العالم العربي بين واجهة الحكم وحقيقة القرار!

السبت - 24 يناير 2026 - الساعة 12:26 ص

منصر العزيبي
بقلم: منصر العزيبي - ارشيف الكاتب


في العالم العربي تبدو السلطة في ظاهرها واضحة المعالم حكومات برلمانات مجالس وبيانات رسمية تُتلى على الشاشات لكن ما يُرى ليس بالضرورة ما يحكم فالقرار الحقيقي في كثير من الحالات لا يُصنع تحت القباب ولا في قاعات التصويت بل في دوائر أضيق وأبعد عن أعين الشعوب حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية مع شبكات النفوذ المحلي فتاريخ المنطقة الحديث حافل بأمثلة تؤكد أن ما يُقدَّم للجمهور بوصفه (قرارًا سياديًا) يكون قد مرّ مسبقًا عبر قنوات غير معلنة كاتفاقيات تُوقّع فجأة سياسات اقتصادية تُفرض تحت عنوان الإصلاح وتحولات حادة في المواقف السياسية تُبرر بلغة الضرورة بينما الحقيقة أن المسار رُسم قبل أن يُستشار الشارع أو حتى ممثلوه لهذا في هذا السياق تلعب السلطة الخفية دور الوسيط الحاسم بين الداخل والخارج من مراكز نفوذ مالية وأجهزة أمنية ونخب سياسية مرتبطة بشبكات مصالح إقليمية ودولية تشكّل منظومة واحدة تتحكم في اتجاه القرار هذه المنظومة لا تحتاج إلى الظهور العلني لأنها تملك أدوات الضغط ك الاقتصاد الأمن والإعلام وبذلك يصبح النقاش العام مجرد صدى لقرارات اتُّخذت سلفًا ناتي الى الأزمات في العالم العربي التي غالبًا ما تتحول إلى أدوات حكم أزمات معيشية صراعات أمنية أو توترات سياسية تُستثمر لإعادة ترتيب الأولويات وتقييد المجال العام وتمرير سياسات لم تكن لتُقبل في ظروف طبيعية تحت شعار (الاستقرار) أو (تفادي الأسوأ)تُطلب التضحيات دائمًا من القاعدة الشعبية بينما تبقى مراكز النفوذ بمنأى عن الكلفة ثم ياتي الإعلام في هذا المشهد لا يعمل بوصفه سلطة رقابية بل كجزء من منظومة التبرير يُعاد إنتاج الخطاب نفسه في أكثر من بلد عربي لا بديل لا خيار لا وقت للنقاش فتُختزل السياسة في ثنائيات حادة ويُغلق المجال أمام أي طرح مستقل يمكن أن يكشف من يحرّك الخيوط فعليًا والأخطر أن هذه السلطة غير المرئية تُفرغ فكرة الدولة نفسها من مضمونها فحين تُدار القرارات الكبرى وفق توازنات مصالح لا تعكس إرادة المجتمع تتحول الدولة إلى واجهة إدارية وتفقد السياسة معناها بوصفها تعبيراً عن العقد الاجتماعي عندها لا تعود الأزمات استثناءً بل تصبح نمط حكم دائم .

إن فهم هذا الواقع لا يعني تبني خطاب المؤامرة بل قراءة الوقائع كما هي فهناك فارق بين من يعلن القرار ومن يصنعه وبين من يتحمل نتائجه ومن يجني ثماره وفي العالم العربي يدفع المواطن ثمن خيارات لم يكن شريكًا فيها ولا طرفًا في صياغتها وكسر هذه الحلقة يبدأ بالوعي وبإعادة طرح الأسئلة التي يُراد لها أن تختفي .... من يقرّر؟ لمن تُدار الأزمات؟ ولماذا يُطلب من الشعوب دائمًا أن تتكيّف لا أن تشارك؟ ما لم تُطرح هذه الأسئلة بوضوح ستبقى المنطقة رهينة لسلطة لا تُرى لكنها تحكم وتُعيد إنتاج الأزمات وتترك الظل أطول من أي أمل معلن.