آخر تحديث :الإثنين - 16 فبراير 2026 - 09:26 م

كتابات واقلام


قراءة في الشعارات العاطفية وفن الممكن؟

الإثنين - 16 فبراير 2026 - الساعة 08:14 م

صالح قحطان المحرمي
بقلم: صالح قحطان المحرمي - ارشيف الكاتب


في خضم التحولات السياسية وتعقيدات المشهد الجنوبي، تتردد. بين الحين والآخر شعارات تبدو جذابة في ظاهرها، لكنها عند إخضاعها لمنطق العقل والواقع تكشف عن هشاشة في الطرح وافتقار إلى الرؤية.
فالسياسة ليست ساحة للمقامرة، بل ميدان لإدارة الممكن وتحقيق المكاسب وفق معطيات الواقع. والحفاظ على ما تحقق يُعد إنجازًا بحد ذاته، لأن الخسارة والعودة إلى نقطة الصفر هي الكارثة الحقيقية ،

إن فن الممكن لا يعني التفريط في المبادئ أو التخلي عن القيم، بل يعني حسن توظيف الإمكانات المتاحة وتوظيف الفرص المرحلية للوصول إلى الأهداف الكبرى.،

ومن هذه الشعارات والمقولات على سبيل المثال مقولة: ((مش وقته )) وعندما تأتي دولة النظام سنعمل ونفعل الخ ،، وكأن الدولة المنشودة كيان جاهز سيهبط من السماء مكتمل الأركان. هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن بناء الدول عملية تراكمية تحتاج إلى رؤية واضحة، ومؤسسات، وقواعد تأسيسية تُبنى من الآن، لا أن تُؤجل إلى مستقبل غامض. فالدول لا تُصنع بالأماني، بل بالتخطيط والعمل المتدرج.،

ومن الشعارات أيضًا: ((لا حوار ولا تفاوض ))وهو الآخر شعار عاطفي يفتقر إلى الواقعية السياسية؛ إذ كيف يمكن رفض التفاوض في وقت لا تُمتلك فيه أدوات القوة الكافية لفرض الشروط او ماتريد؟
التفاوض ليس ضعفًا، بل أداة من أدوات العمل السياسي، خاصة حين يُطالب أصحابه بوضع إطار تفاوضي لقضية شعب الجنوب ضمن أي تسوية سياسية في اليمن.
لذا التناقض هنا واضح بين رفض المبدأ والمطالبة بآلياته.

أما المقولة التي تمنح القيادة صفة العصمة، مثل: ((دعوا قيادتنا فهي تعي ما تعمل ونحن نثق بها ))، فهي الأخرى تنطوي على قدر من العاطفة غير المنضبطة. فالثقة مطلوبة بدون شك، لكنها لا تُلغي حق الرقابة والمساءلة. فالكمال لله وحده، أما البشر فهم عرضة للخطأ، وتجارب التاريخ تثبت أن أخطاء القيادات قد تكون باهظة الكلفة، وقد دفع شعب الجنوب أثمانًا كبيرة نتيجة تقديرات غير موفقة وقفزات غير محسوبة النالئج والعواقب لقياداته من قفزة عام 90م وحتى اخر قفزة،،

إن التجربة السياسية تُعلمنا أن كثيرًا من الأزمات التي نعيشها اليوم تعود إلى سوء إدارة أو تقدير لم يكن في مستوى المسؤولية الوطنية. ولذلك فإن البناء الحقيقي لأي مشروع وطني لا يقوم على الشعارات العاطفية، بل على التفكير الواقعي، والنقد المسؤول، والمراجعة الدائمة، والمساءلة والمحاسبة المستمرة.

فالطريق إلى تحقيق الأهداف الكبرى لا يُختصر بشعار، ولا يُختزل في موقف انفعالي عاطفي، بل يتطلب عقلًا سياسيًا يدير الممكن اليوم ليصنع الأفضل غدًا دون تفريط بما تحقق ودون إهدار وضياع للفرص المتاحة، ،،

عميد صالح قحطان المحرمي

16 يناير 2026م