آخر تحديث :الإثنين - 23 فبراير 2026 - 03:22 ص

كتابات واقلام


اعتقالات نشطاء الجنوب: سياسة احتواء أم كسر إرادة ؟

الإثنين - 23 فبراير 2026 - الساعة 02:02 ص

جهاد محسن
بقلم: جهاد محسن - ارشيف الكاتب


في مشهد يختزل طبيعة المرحلة وتعقيداتها، تتصاعد في مدن الجنوب حملات قمع واعتقال تستهدف نشطاء وإعلاميين وشباباً شاركوا في فعاليات مطلبية رافعة لشعار استعادة دولة الجنوب.
المداهمات والاعتقالات التي تنفذها تشكيلات أمنية مدعومة من السعودية، تأتي في ظل حديث متزايد عن نقل بعض نتائج التحقيق للموقوفين إلى الرياض، وهي أنباء تثير تساؤلات قانونية وسياسية عميقة.

لم تعد القضية في حدود ضبط أمني عابر، بل تحولت إلى سياسة ردع ممنهجة، فكل من يرفع صوته في ساحة عامة، أو ينشر موقفاً ناقداً على منصة رقمية، يجد نفسه تحت طائلة الاستدعاء أو الاحتجاز.

وبينما تبرر الجهات المنفذة إجراءاتها بالحفاظ على الأمن والاستقرار، يرى كثير من المتابعين أن ما يجري يتجاوز الإطار الأمني إلى محاولة إعادة هندسة المشهد السياسي الجنوبي والإعلامي بما يتسق مع حسابات سعودية واضحة المعالم والتوجهات.

المقلق في هذه التطورات ليس فقط في أعداد المعتقلين الذين خضعوا إلى إجراءات تحقيق تحمل ضمنياً اتهامات ملفقة، بل طبيعة الإجراءات ذاتها، فالقانون العام واضح في اختصاصات الضبط القضائي وسلطات التحقيق، كما أن أي نقل لمواطنين خارج الدولة دون مسوغ قضائي معلن يعد مساساً بالسيادة وبالضمانات المكفولة دستورياً.

وإذا صحت الأنباء عن ترحيل نشطاء للتحقيق في الرياض، فإن ذلك يفتح باباً واسعاً للتساؤل، بأي سند قانوني يتم ذلك؟، ومن يملك حق التصرف بمواطنين خارج حدود بلادهم؟.
وهي واقعة لا تقل دلالة تمثلت عن احتجاز وفد جنوبي في الرياض منذ أكثر من شهر ونصف، مع احتجاز جوازات سفر أعضائه ومنعهم من المغادرة حتى اللحظة.
هذه الحادثة تعكس توجهاً يتجاوز التعامل الأمني داخل الجنوب إلى ضبط الحركة السياسية الجنوبية حتى خارج حدود البلاد، احتجاز وفد مفاوض وجوازات السفر، وفرض عليهم الإملاءات الخارجية، يعتبر إجراء مجحف يمس الحرية الشخصية مباشرة، ويفهم منه رسالة سياسية واضحة مفادها أن هامش الحركة مرهون بالقبول بالشروط المرسومة سلفاً.
مثل هذه الوقائع تغذي انطباعاً متنامياً في الشارع الجنوبي بأن العلاقة لم تعد علاقة دعم أو شراكة، بل علاقة وصاية وضبط إيقاع، فحين يستدعى ناشط بسبب منشور، ويحتجز آخر بسبب مشاركته في فعالية، ويمنع وفد سياسي من التحرك بحرية في عاصمة يفترض أنها تستضيف حواراً أو تنسيقاً، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس هي أن الصوت الجنوبي مراقب أينما كان.
إن مقولة "من لم يأتِ بالمال، أحضرناه بالاعتقال" لم تعد مجرد عبارة احتجاجية، بل توصيفاً لحالة يشعر بها كثيرون، فمن لم ينخرط في مسار الاحتواء السياسي أو المالي، يجد نفسه أمام أدوات ضغط مختلفة. وهذا النهج بدلاً من احتواء المطالب، قد يدفع بها إلى مزيد من التشدد والاحتقان.
الجنوب الذي قدم نفسه منذ سنوات كساحة تطالب بحقوق سياسية وهوية وطنية، يجد اليوم جزءاً من أبنائه في مواجهة اتهامات فضفاضة، تتراوح بين "الإخلال بالأمن" و"التحريض".
غير أن جوهر الحراك الشعبي الجنوبي ظل – في معظمه – تعبيراً سياسياً مطلبياً، أصبح يواجه إجراءات قمع واعتقال، ومحاولة تقييده داخل البلاد وخارجها، ما يعمق فجوة الثقة بين الإرادة الشعبية الجنوبية والرياض التي مازالت تزعم أنها راعية حوار جنوبي.
المطلوب اليوم هو الشفافية واحترام الأطر القانونية، وإعلان واضح عن أوضاع المحتجزين الجنوبيين، وتمكينهم من حقوقهم القانونية، وتوضيح حقيقة ما جرى للوفد الجنوبي في الرياض، وضمان عدم تكرار احتجاز وثائق السفر كأداة ضغط سياسي، فالاستقرار لا يبنى بالقبضة الأمنية، ولا تصان العلاقات بإجراءات استثنائية تمس الكرامة والحقوق.
التاريخ يثبت أن الاعتقال قد يسكت الصوت مؤقتاً، لكنه لا يطفئ الفكرة، وأن احتجاز الجواز قد يقيد الحركة، لكنه لا يوقف المطالب.
الطريق الأقصر نحو التهدئة يمر عبر الاعتراف بحق التعبير، وفتح حوار سياسي جاد، يعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة أعراضها.