آخر تحديث :الجمعة - 22 مايو 2026 - 04:46 م

كتابات واقلام


الوحدة بعد حرب 1994: من مشروع سياسي إلى ذاكرة مثقلة بالحرب

لم تكن الوحدة اليمنية التي أُعلنت عام 1990 مجرد اتفاق سياسي بين دولتين، بل كانت حلماً واسعاً لدى كثير من أبناء الشمال والجنوب بدرجة رئيسية، يقوم على فكرة بناء دولة حديثة تتجاوز الانقسام والصراعات القديمة. غير أن هذا الحلم دخل منعطفاً حاداً بعد حرب صيف 1994، حين تحولت الوحدة – في نظر قطاع واسع من الجنوبيين – من شراكة سياسية إلى واقع فُرض بالقوة العسكرية.
يرى كثير من أبناء الجنوب أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة تاريخية أعادت تشكيل العلاقة بين الشمال والجنوب بالكامل. فبعد اجتياح القوات التابعة للجمهورية العربية اليمنية السابقة لمدن الجنوب، سقطت فكرة “الوحدة الطوعية” لتحل محلها صورة المنتصر والمهزوم. ومنذ تلك اللحظة بدأت تتراكم مشاعر الإقصاء والمرارة لدى قطاعات واسعة من المجتمع الجنوبي، خاصة مع ما رافق المرحلة اللاحقة من تسريح عسكريين وموظفين، والاستيلاء على أراضٍ ومؤسسات، وتهميش سياسي واقتصادي.
في الخطاب الجنوبي المعاصر، كثيراً ما توصف حرب 1994 بأنها “لحظة موت الوحدة”، لأن الوحدة – بحسب هذا التصور – فقدت مضمونها القائم على الشراكة والندية، وتحولت إلى هيمنة طرف على آخر. ولهذا ظهرت لاحقاً حركات سياسية واجتماعية مثل الحراك الجنوبي، ثم المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، التي أعادت طرح “القضية الجنوبية” بوصفها قضية شعب وهوية وحق سياسي، لا مجرد خلاف إداري داخل دولة واحدة.
لكن، في المقابل، هناك من يرى أن المشكلة لم تكن في فكرة الوحدة نفسها، بل في طريقة إدارة الدولة والصراع على السلطة. فالوحدة كمبدأ قومي وسياسي ظلت بالنسبة للبعض حلماً مشروعاً، إلا أن الحرب والفساد والاستبداد شوّهت هذا الحلم وأفقدته شرعيته الشعبية.
إن الحديث عن حرب 1994 لا يزال حتى اليوم جزءاً حساساً من الذاكرة اليمنية، لأنها لم تنتهِ فعلياً بانتهاء المعارك، بل بقيت آثارها السياسية والاجتماعية والنفسية ممتدة لعقود. فالأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، والوحدة الحقيقية لا تستمر إلا حين يشعر جميع الأطراف بأنهم شركاء متساوون في السلطة والثروة والهوية الوطنية. وقد وصفها المرحوم المؤرخ الدكتور صالح باصرة بأنها "ليست صناما يعبد، بل مصالح مشتركة."
لهذا يمكن القول إن سؤال الوحدة في اليمن لم يعد سؤال حدود وجغرافيا فقط، بل سؤال عدالة وثقة واعتراف متبادل. فحين تغيب العدالة، تتحول الوحدة من قيمة جامعة إلى ذكرى مرتبطة بالألم والانقسام.