آخر تحديث :الثلاثاء - 24 مارس 2026 - 08:43 م

كتابات واقلام


لا مجال للصمت

الثلاثاء - 24 مارس 2026 - الساعة 07:02 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


علي محمد سيقلي

في السياسة، ليست كل الكلمات مجرد عبارات عابرة.
هناك كلمات تُقال فتختفي، وأخرى تُقال فتتحول إلى عنوان مرحلة كاملة، تحمل في طياتها رسائل صاخبة، وإشارات واضحة لمن يفهمها. وما قاله الدكتور صالح محسن الحالج من داخل الرياض لم يكن تصريحًا عاديًا، بل خرج من قلب لحظة ضاغطة لا يمكن فصل الكلام فيها عن سياق الحدث السياسي الكبير الذي كان يحيط بالوفد الجنوبي.

فالحديث هذه المرة لا يتعلق بخلاف سياسي تقليدي، بل بضغوط وصلت إلى حد إجبار وفد المجلس الانتقالي الجنوبي على القبول بحل المجلس في الداخل والخارج. وهنا يكمن جوهر الموقف: لم يكن الحديث مجرد سجال أو توجيه عابر، بل محاولة صريحة لإعادة تشكيل المشهد الجنوبي بأكمله.

حين يُطلب من كيان سياسي أن يحل نفسه بقرار ضاغط، فهذا لا يشبه مجرد خطوة سياسية، بل يشبه محاولة طي صفحة كاملة من التاريخ السياسي والاجتماعي للجنوب. وهنا، تحديدًا، يظهر لماذا كانت كلمات الحالج مختلفة هذه المرة ولماذا التقطها المتابعون باعتبارها رسالة تتجاوز الشخص لتصل إلى قضية كاملة.
حين قيل له:
"اسحب كلامك"
كان ردّه مختصرًا، لكنه مليء بالدلالات:
"اسحبوا وصايتكم، وتقبّلوا ردات فعلنا حفاظًا على كرامتنا وخياراتنا، كما تقبّلنا مرارة تصرفاتكم."

هذه الجملة ليست مجرد ردّ على شخص، بل اختصار لشعور سياسي متراكم وإحساس بأن العلاقة التي كانت تُدار أحيانًا بلغة الشراكة تحولت إلى علاقة ضغط وإملاءات. فالجنوب لم يعد مجرد جغرافيا تتنازعها القرارات، بل قضية سياسية لها جمهورها ومزاجها الخاص وروايتها لما حدث ويحدث.
السياسة بطبيعتها مليئة بالتفاهمات والتنازلات، لكن هناك فرق كبير بين التفاهم والإكراه. فالتفاهم يولد عادة استقرارًا، بينما الإكراه غالبًا ما يترك خلفه أسئلة ومواجهات لا تنتهي. وهذا ما حدث في الرياض: المدينة التي ظلت لسنوات مركزًا لإدارة ملفات معقدة، أصبحت مسرحًا لرسالة مختلفة خرجت من داخل وفد يفترض أنه جاء للحوار، فإذا به يُجبر على اتخاذ قرار بحل كيانه.

الجنوب، الذي خاض سنوات طويلة من الصراع والتضحيات، لا يرى نفسه مجرد كيان يمكن شطبه بقرار ضاغط أو إعادة تشكيله وفق مزاج اللحظة السياسية. فالقضية الجنوبية، مهما اختلفت وجهات النظر حول تفاصيلها، أصبحت واقعًا لا يمكن إلغاؤه بقرار واحد. والضغط الشديد قد يفرض خطوات معينة على المدى القصير، لكنه لا يزيل الحقيقة الراسخة على الأرض.

وهنا يكمن المعنى الأعمق لعبارة الحالج. فهي ليست مجرد ردّ على شخص طلب سحب كلام، بل إعلان صريح بأن الجنوب لم يعد مستعدًا للعودة إلى مرحلة الصمت السياسي، أو القبول بأن يُدار كملف قابل للتعديل كلما تغيرت الحسابات الإقليمية.
التاريخ السياسي يعلمنا أن القرارات التي تولد تحت الإكراه غالبًا ما تُواجه بردات فعل لاحقة. والجنوب، كما يبدو من هذه اللحظة، بدأ يتحدث بلغة مختلفة عن الماضي، لغة تقوم على الندية ورفض الإملاءات، ولغة تقول بصراحة: الكرامة السياسية ليست للتفاوض، ولا يمكن أن تُسحب بسهولة.

فحين تُفرض قرارات تحت الضغط، غالبًا ما تولد تحديات جديدة، وكلمات قصيرة لكنها حاسمة تكون كافية لتغيير مسار النقاش بالكامل. والعبارة التي قالها الحالج فعلت ذلك، فهي كشفت، بصوت واضح، أن زمن الصمت الطويل انتهى، وأن الجنوب بدأ يفرض مكانته، ويعلن أن الخيارات لن تُسحب منه، وأن كرامته لا يمكن التلاعب بها.

اليوم، تبدو الرسالة واضحة لكل من يعنيه الأمر: لا مجال للصمت.
فالشعب الجنوبي لم يعد مجرد طرف مستمع، بل أصبح طرفًا يقول كلمته، ويحدد سقف تحركاته. وهكذا، تتحول لحظة سياسية واحدة إلى فصل جديد في المشهد الجنوبي، فصل ربما يحمل ردود فعل لاحقة، لكنه في الوقت نفسه يؤكد حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن الجنوب لن يقبل أن يُدار كملف يمكن حله أو تغييره حسب المزاج السياسي لأي طرف خارجي.
وهكذا، تتشكل لغة جديدة للسياسة الجنوبية: صريحة، واضحة، حادة أحيانًا، لكنها في جوهرها تعبير عن الكرامة وعن الحق في القرار.