آخر تحديث :الأربعاء - 25 مارس 2026 - 11:02 م

كتابات واقلام


من الذي يبيع الوهم فعلًا؟

الأربعاء - 25 مارس 2026 - الساعة 09:21 م

يعقوب السفياني
بقلم: يعقوب السفياني - ارشيف الكاتب


كثير من المنشورات اليوم حاولت أن تلمّع وتغسل تصريح الفريق محمود الصبيحي بشأن علم الوحدة اليمنية، وضرورة رفعه في المكاتب التنفيذية بالمحافظات إلى جانب صورة رشاد العليمي، وقدّمت الأمر وكأنه موقف واقعي في مقابل ما سمّوه “بيع الوهم”. لكن هذا الوصف بحد ذاته فارغ وضعيف ومفتقد للمعنى السياسي الدقيق.

ما هو الوهم أصلًا؟ وكيف يُعرَّف؟

إذا كان المقصود أن هناك من يرفع علم الجنوب، أو يخاطب شعب الجنوب بأن قضيته قائمة، وأن مشروعه السياسي لم يمت، وأن تطلعاته نحو دولته واستعادة كيانه ما تزال حية، فهذا ليس وهمًا، بل خطاب سياسي يستند إلى واقع قائم ومشهود. الوهم هو سراب لا وجود له على الأرض، أما في الجنوب فهناك حقائق متجذّرة لا يمكن القفز عليها ولا محوها بقرار إداري أو تصريح إعلامي.

الجنوبيون اليوم يسيطرون على معظم أرضهم، وعلمهم حاضر في المجال العام، مرفوع على المعسكرات، وعلى الأطقم، وعلى الدبابات، وفي الشوارع، وعلى المؤسسات، وفي الوجدان الشعبي أيضًا.

لقد رفع هذا العلم في ديسمبر الماضي من معاشيق إلى صرفيت، ومن سقطرى إلى العبر والخشعة في وادي حضرموت، لا نتحدث عن خيال ولا عن حالة نفسية عابرة، بل عن واقع سياسي ورمزي وعسكري وشعبي متراكم.
لذلك يصبح السؤال مشروعًا: لماذا تصرّون على وصف كل هذا بأنه وهم؟
أين هو الخط الفاصل لديكم بين الوهم والحقيقة؟

الحقيقة لا تُختزل في صورة رشاد العليمي، ولا في فرض علم الوحدة على المكاتب التنفيذية، ولا في محاولات إعادة تعريف الجنوب من فوق، وبالقوة الرمزية للدولة القائمة. الحقيقة أن هناك شعبًا له قضية، وله ذاكرة، وله رموزه، وله وقائع ميدانية لا يمكن شطبها بهذه السهولة.

ثم إن المفارقة الكبرى أن من يتهم الآخرين ببيع الوهم، هو نفسه من يبيع لهذا الشعب أوهامًا أثقل وأخطر:
وهم العجز،
ووهم الضعف،
ووهم الانكسار،
ووهم أن كل ما تحقق على الأرض لا قيمة له،
ووهم أن على الجنوبيين أن ينكروا وقائعهم الملموسة ويخضعوا مجددًا لرموز لم تعد تعبّر عنهم.

هذا هو الوهم الحقيقي.
أما التمسك بعلم الجنوب، والاعتزاز بما تحقق، والإيمان بأن قضية شعب كامل لا يمكن دفنها، فليس بيعًا للوهم، بل دفاع عن حقيقة حاضرة مهما حاول البعض إنكارها أو الالتفاف عليها.

من يرفع رمزًا يعبّر عنه لا يبيع الوهم،
لكن من يطلب من شعب أن يتخلى عن واقعه ورموزه ووعيه الجمعي، ثم يسمي ذلك “عقلانية” أو “واقعية”، هو من يبيع الوهم فعلًا.

#يعقوب_السفياني