آخر تحديث :الجمعة - 27 مارس 2026 - 12:28 ص

كتابات واقلام


الحرب الباردة بين أطماع الجيران، وغباء الدول التي يحكمها اللصوص

الخميس - 26 مارس 2026 - الساعة 11:35 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


في عالمنا العربي، وربما في نصف هذا الكوكب الذي يسمونه “العالم النامي”، هناك نوع خاص من الحروب لا يظهر في نشرات الأخبار كمعارك واضحة، لكنه حاضر في كل تفاصيل الحياة. حرب باردة حقيقية، تدور بصمت بين أطماع إقليمية تعرف ماذا تريد، ودولٍ تملك كل شيء، إلا العقل الذي يدير هذا “ال كل شيء”.
المفارقة التي تبدو كالنكتة البايخة أن كثيرًا من الدول التي يقال عنها فقيرة ليست فقيرة أصلًا، بل غنية إلى حد يدعو للحسد. في باطن أرضها نفط وغاز ومعادن، وعلى سواحلها ثروات بحرية، وفي موقعها الجغرافي فرص لا تُقدَّر بثمن. لكن المشكلة أن هذه الثروة غالبًا ما تُستثمر في مكان واحد فقط: حسابات اللصوص البنكية.
القصة في حقيقتها ليست جديدة. كثير من المفكرين في الاقتصاد السياسي تحدثوا عن ظاهرة غريبة: دول تملك الموارد لكنها تفشل في بناء دولة، بينما دول أخرى لا تملك شيئًا تقريبًا لكنها تنجح في صناعة اقتصاد قوي ومؤسسات مستقرة. السبب، ببساطة، ليس في الموارد، بل في طريقة إدارتها. حين تتحول السلطة إلى وسيلة لجمع الغنائم، تصبح الدولة مجرد خزنة كبيرة يتسابق عليها المتنفذون.
بمعنى أكثر وضوحًا: المشكلة ليست في باطن الأرض، بل في رؤوس الحمير الذين يجلسون فوقها.
في بعض الدول، يتحول النفط إلى لعنة بدل أن يكون نعمة. يصبح مثل علبة عسل مفتوحة في غرفة مليئة بالذباب السياسي. كل واحد يريد نصيبه، وكل جماعة تريد حصتها، وكل مسؤول يتصرف كأنه اكتشف البئر وهو من حفرها بعرق جبينه. وهكذا تضيع الفكرة الأساسية للدولة: أن تكون إدارة عادلة لثروة الجميع.
لكن الأخطر من ذلك أن هذا الوضع يفتح الباب واسعًا أمام الأطماع الإقليمية الوسخة. فالسياسة، بطبيعتها، لا تحب الفراغ. وإذا ضعفت الدولة، سيأتي من يملأ هذا الفراغ، سواء عبر النفوذ الاقتصادي أو التحالفات السياسية أو حتى عبر دعم أطراف داخلية متصارعة. وهنا تبدأ الحرب الباردة التي لا تُعلن رسميًا، لكنها تُدار في الكواليس.
في هذه الحرب، لا يحتاج الطرف الخارجي إلى جيوش ضخمة أحيانًا. يكفي أن يجد نظامًا هشًا ونخبًا محقونة بداء اللصوصية وتبحث عن حماية مصالحها. وعندها تصبح الدولة ساحة نفوذ، وتتحول قراراتها الكبرى إلى نتيجة صراع غير مرئي بين الداخل والخارج.
وإذا أردنا مثالًا واضحًا على هذه المفارقة، فلن نجد أقرب من اليمن التعيس. بلد يمتلك موقعًا جغرافيًا من أهم المواقع في المنطقة، يطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ويملك موارد نفطية وغازية وثروة بحرية يمكن أن تكون أساسًا لاقتصاد قوي. ومع ذلك، ظل لسنوات طويلة يعيش أزمة دولة أكثر مما يعيش أزمة موارد، وحتى يومنا هذا.
لم يكن اليمن فقيرًا بالإمكانات، بل كان فقيرًا بالإدارة. الموارد موجودة، لكن الدولة التي تديرها ظلت أسيرة الصراعات السياسية وشبكات النفوذ. وحين تتحول الدولة إلى ساحة تنافس بين مراكز القوة، يصبح من الطبيعي أن تتسلل الأطماع الإقليمية إلى المشهد، لا لأنها قوية فقط، بل لأن الداخل نفسه مرتبك ومتشظٍ.
وهنا تبدأ الحكاية التي نعيش تفاصيلها منذ سنوات:
قوى إقليمية تبحث عن نفوذ،
نخب محلية تبحث عن البقاء،
وشعب يحاول فقط أن يعيش ليجتر كالبهيمة.
والنتيجة أن الدولة تتحول إلى ساحة شطرنج، بينما المواطن مجرد قطعة تتحرك دون أن يسأله أحد إن كان يريد اللعب أصلًا.
المفارقة التي قد تبدو قاسية، لكنها واقعية، أن بعض الدول التي لا تملك موارد تذكر استطاعت أن تبني نفسها بهدوء، لأنها لم تجد شيئًا تتقاتل عليه في البداية. فاضطرت إلى بناء مؤسسات حقيقية واقتصاد منتج. أما الدول الغنية بالثروات، فقد وقعت في فخ أسهل: الاعتماد على الريع بدل العمل، وعلى النفوذ بدل الدولة.
في النهاية، لا يمكن إنكار أن الأطماع الإقليمية حقيقة قائمة في السياسة. لكن الحقيقة الأخرى التي كثيرًا ما نحاول تجاهلها أن هذه الأطماع لا تجد طريقها بسهولة إلا حين تجد بابًا مفتوحًا من الداخل وعلى مصراعيه.
والمشكلة أن بعض المسؤولين لا يكتفي بفتح الباب، بل يقدم المفتاح أيضًا لمن شاء أن ينسدح.
لهذا تبقى المعركة الحقيقية لأي دولة ليست فقط في مواجهة الخارج، بل في تنظيف الداخل من القذارة. فالثروة التي لا تحرسها دولة عادلة تتحول بسرعة إلى لعنة، والوطن الذي يتحول إلى غنيمة لن يبقى وطنًا طويلًا، بل مجرد أرض "سداح مداح" يتقاسمها اللاعبون، بينما يكتفي أهلها بالصراع على من سيرفع صورة من، ومن سيرفع علم من.

وسلامتكم