آخر تحديث :الخميس - 26 مارس 2026 - 04:26 م

كتابات واقلام


مغادرة التنافس السلبي طريق الانسجام العربي والخليجي

الخميس - 26 مارس 2026 - الساعة 02:53 م

عبدالمجيد زبح
بقلم: عبدالمجيد زبح - ارشيف الكاتب


في خضم الاحداث الاقليمية الاخيرة كتب الدكتور انور قرقاش عن الحاجة الى موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الكبرى التي تمر بها المنطقة واشار الى ضعف بعض مؤسسات العمل العربي والاسلامي في اتخاذ مواقف وقرارات عملية مساندة. وهذا الطرح يعكس قلقا مشروعا حول طبيعة الدور العربي المشترك لكنه يفتح بابا لسؤال اكثر عمقا: هل يبدأ الاصلاح من مساءلة المؤسسات العربية الواسعة فقط ام من مراجعة التجارب الاقليمية الاقرب التي كان يفترض ان تكون نموذجا متقدما لهذا العمل المشترك.

ولكن قبل الاقتراب من الاجابة على هذا السؤال يفترض بنا اولا النظر الى الداخل ومراجعة التجارب الاقليمية الاقرب. فالاطار الاقليمي الاقرب يفترض ان تكون درجة التنسيق فيه اعلى والقدرة على صياغة المواقف المشتركة اكثر نضجا. وهذه التجارب وبحكم تشابه البيئة السياسية وتداخل المصالح لم تنشأ لتكون مجرد اطار تنسيقي بل لتقدم نموذجا يمكن البناء عليه في الفضاء العربي الاوسع. غير ان المسار العملي خلال السنوات الماضية اظهر ان التباينات في السياسات الخارجية بين تلك الدول وذلك الاطار ظلت حاضرة وفتحت المجال امام اشكال من التنافس التي لم تخدم دائما فكرة العمل الجماعي.

التباينات لم تكن تفصيلا عابرا بل تحولت الى عامل مؤثر في قدرة الدول على بلورة مواقف موحدة في لحظات حساسة. وعندما يطرح اليوم سؤال ضعف المؤسسات العربية الاوسع يصبح من الطبيعي ان يسبقه سؤال اخر يتعلق بالنموذج الاقرب. الى اي مدى نجحت التجارب الاقليمية الاكثر تقاربا في تحقيق الانسجام الذي كان يفترض ان يؤسس لما هو ابعد منها.

ورغم ذلك فان التضامن العربي خصوصا على مستوى الشعوب ظل حاضرا بصورة لافتة. فالشعوب العربية في كثير من الازمات اظهرت قدرا من التماسك والوقوف الى جانب بعضها البعض حتى عندما لم تتوافق السياسات الرسمية مع تطلعاتها. وهذه الحقيقة يجب التعامل معها باعتبارها احد اهم عناصر القوة الكامنة في المنطقة.

القوة الحقيقية لاي دولة لا تقاس فقط بقدرتها على التأثير السياسي بل بمدى انسجامها مع محيطها الطبيعي وبقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع الشعوب. والتجارب الدولية تشير الى ان المؤسسات الاقليمية القوية لا تبنى فقط عبر الاتفاقات الرسمية بل عبر توافق اعمق بين السياسات العامة وتطلعات المجتمعات.

ولعل التجربة الاوروبية تقدم مثالا واضحا في ذلك. نجاحها لم يكن نتيجة التوافق الحكومي فقط بل نتيجة مسار طويل من بناء الثقة بين الدول والشعوب معا بحيث اصبحت المؤسسات المشتركة تعبيرا عن درجة من الانسجام السياسي والاجتماعي لا مجرد اطار تنظيمي.

في الاطار الخليجي تبدو الحاجة اليوم اكثر وضوحا لمراجعة بعض المسارات السياسية ليس من باب النقد بل من باب التصحيح. فادارة بعض ملفات السياسة الخارجية بمنطق فردي او ضمن سياق تنافسي قد تحقق مكاسب ظرفية لكنها لا تؤسس لموقف جماعي قادر على الصمود. وعلى العكس فان مثل هذه المقاربات قد تفتح فجوات بين الدول وتحد من القدرة على بناء رؤية اقليمية متماسكة.

مغادرة هذا النمط لا تعني التخلي عن المصالح الوطنية بل تعني اعادة تعريفها ضمن سياق اوسع يربط بين الاستقرار الداخلي والانسجام الاقليمي. فالدولة التي تنجح في تحقيق هذا التوازن تكون اكثر قدرة على الحركة وثباتا في مواجهة التحولات.

التضامن العربي مع دول الخليج لم يكن يوما محل تردد بل ظل حاضرا حتى في لحظات شهدت تباينا واضحا في الرؤى السياسية. والحفاظ على هذا الرصيد يتطلب ادراكا مختلفا لطبيعة العلاقة مع المحيط العربي. فالمحيط ليس مجرد امتداد جغرافي بل عنصر فاعل في معادلة الاستقرار والتأثير وكلما ازداد الانسجام معه ازدادت قدرة الدول على بناء مواقف متماسكة.

قد يكون من المفيد التوقف امام فكرة الصورة المثالية التي تحاول بعض الخطابات السياسية ترسيخها عن القوة والتأثير. فالواقع الاقليمي اكثر تعقيدا وهو يفرض الاعتراف بان الاستقرار الحقيقي لا يبنى فقط عبر موازين القوة بل عبر شبكة من العلاقات المتوازنة مع الشعوب والمجتمعات.

ولهذا فان الطريق الى انسجام عربي وخليجي حقيقي لا يمر عبر الخطابات وحدها بل عبر مراجعة هادئة للمقاربات السياسية وتغليب منطق التعاون على منطق التنافس والاقتراب اكثر من فهم المزاج العام للشعوب. فهذه الشعوب ليست عنصرا هامشيا بل احد محدداتها الاساسية.

وفي المحصلة فان اي سياسة تبحث عن الاستقرار والتأثير لا يمكن ان تنفصل عن هذه الحقيقة البسيطة. قوة المنطقة في تماسكها واي دولة فيها لا تستطيع ان تبني حضورا مستقرا بمعزل عن محيطها الطبيعي. والانسجام مع هذا المحيط شرط اساسي لاي دور حقيقي ومستدام.