آخر تحديث :الخميس - 23 أبريل 2026 - 10:08 م

كتابات واقلام


الجوف… سقوط الجغرافيا وانكشاف الإستراتيجية

الخميس - 23 أبريل 2026 - الساعة 08:52 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


علي محمد سيقلي

لم يكن ما حدث في الجوف مجرد خسارة جغرافية تُضاف إلى سجل المعارك، بل خلل أعمق في بنية التقدير السياسي والعسكري لدى الرياض. ولحظة كاشفة لطريقة قراءة المشهد وإدارته. فالجوف، بحكم موقعها، لم تكن مجرد محافظة حدودية، بل عقدة استراتيجية تمثل عمقًا حيويًا وخط تماس حساس بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى لتثبيت حضور الدولة، وآخر يُجيد استثمار الفوضى وتحويلها إلى نفوذ.
ما بعد الجوف ليس كما قبلها، لأن السقوط هنا لا يُقاس بمساحة الأرض، بل بثقل الرسالة التي حملها. رسالة تقول إن إدارة الصراع بمنطق التوازنات المؤقتة والرهانات المرتبكة لم تعد مجدية، وإن الخصم الذي يملك نفسًا طويلًا، ويُحسن توظيف الوقت والتناقضات، قادر على تحويل أخطاء الآخرين إلى مكاسب استراتيجية متراكمة.
في هذا السياق، يبرز سؤال الأمن القومي السعودي بوصفه مسألة تتجاوز الحدث ذاته. فحين تصبح الحدود أكثر هشاشة، ويقترب التهديد تدريجيًا، فإن المشكلة لا تكمن في الميدان فقط، بل في طريقة تعريف الأمن ذاته. الأمن لا يُدار من خلف الحدود، ولا يُحمى بالمعالجات الجزئية، بل بفهم دقيق لتعقيدات الداخل اليمني، وبناء شراكات قائمة على المصالح الحقيقية لا على الحسابات المؤقتة.
المعضلة الأبرز تتجلى في التناقض الصارخ في التعامل مع الجنوب. فمن جهة، يُطلب منه أن يكون خط الدفاع الأول في مواجهة الحوثي، ومن جهة أخرى، يُدفع إلى هامش القرار السياسي، أو يُعاد تشكيله وفق مقاربات لا تنسجم مع واقعه. هذه الازدواجية لا تضعف الجنوب فحسب، بل تُنتج حالة من انعدام الثقة، وتُربك أي تحالف يُفترض أنه يقوم على وضوح الأهداف وتكامل الأدوار.
الأخطر من ذلك هو توظيف “فزاعة الحوثي” كأداة ضغط سياسي. فبدل أن يكون التهديد دافعًا لبناء جبهة متماسكة، يتم استخدامه لإعادة ترتيب موازين القوة داخليًا، بما يخدم فرض وصاية غير معلنة على واقع هش. هنا تتحول المعركة من مواجهة خطر مشترك إلى إدارة تناقضات داخلية تُبقي الجميع في حالة ضعف دائم، وهو ما يطيل أمد الصراع بدل أن يقترب من حله.
ما أوقع الرياض في هذا المأزق ليس نقص الإمكانات، بل خلل في التقدير. فالتعامل مع اليمن—وبالذات الجنوب—بوصفه ساحة قابلة لإعادة التشكيل وفق إرادة خارجية، تجاهل حقيقة أن هذا الفضاء تحكمه تركيبات اجتماعية وسياسية معقدة، لا تستجيب بسهولة لمحاولات الهندسة من الخارج. ومع مرور الوقت، تتحول هذه المقاربة إلى عامل استنزاف، لا إلى أداة نفوذ.
على المدى البعيد، لا تقف تداعيات هذا النهج عند حدود الجغرافيا، بل تمتد إلى بنية الدولة اليمنية نفسها. فالإبقاء على حالة الضعف، وتغذية الانقسامات، يفتح المجال أمام قوى الأمر الواقع لتكريس حضورها، ويُضعف أي إمكانية لبناء مؤسسات قادرة على النهوض. وفي المقابل، تتآكل قدرة الحلفاء على التنسيق، ويتحول التحالف من قوة دفع إلى عبء متبادل.
اليوم، تبدو السعودية أمام اختبار حقيقي: إما أن تعيد صياغة مقاربتها على أساس شراكة واضحة تحترم خصوصية الفاعلين المحليين، وتستثمر في استقرار حقيقي طويل الأمد، أو تستمر في إدارة الأزمة بالأدوات ذاتها، بما يحمله ذلك من مخاطر مضاعفة.
الخلاصة أن الجوف لم تكن مجرد خسارة ميدانية، بل نقطة تحول كشفت حدود الرهان على إدارة الصراع بالوكالة، وحدود القدرة على تجاوز القوى الفاعلة على الأرض. وما لم تُستوعب هذه الدروس، فإن الخسارة القادمة لن تكون فقط في المواقع، بل في فرص بناء مستقبل مستقر، لليمن والمنطقة معًا.