آخر تحديث :الأربعاء - 22 أبريل 2026 - 04:35 م

كتابات واقلام


الجنوب ليس للبيع .. وهذه ليست تسوية

الأربعاء - 22 أبريل 2026 - الساعة 02:45 م

هاني سالم مسهور
بقلم: هاني سالم مسهور - ارشيف الكاتب


‏كان الرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي الصوت الذي أعلن موقفه بوضوح .. (لا) ، لا لإعادة إنتاج نموذج إيراني جديد في شبه الجزيرة العربية، ولا لأيّ تسوية تمنح الحوثيين مكافأة تحت أي مسمى، كل اتفاق يفتح لهم باب النفوذ أو يضع بين أيديهم موارد، لا يمكن النظر إليه كسلام، وإنما كترتيب يعيد تدوير الخطر نفسه بصيغة أخرى، وما جرى في إيران عام 1979 يظل مثالًا حاضرًا، حين مُنح مشروع إيدلوجي مفاتيح الدولة، دخلت المنطقة والعالم مرحلة طويلة من الاضطراب ما تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.

ما يُتداول الآن يتجاوز فكرة مسار سياسي عادي، ويقترب من احتمال صفقة تعيد تعريف الحرب من جذورها، الحديث يدور حول تسليم جزء كبير من ثروات الجنوب نفطًا وغازًا وموانئ وموارد بحرية إلى طرف كانت الحرب في أساسها موجهة لوقف تمدده، هنا يتحول السؤال إلى مسألة سيادة وحق ..منّ يملك القرار في مصير ملايين البشر؟.

تصريحات عمرو البيض في ولاية نيويورك الأميركية تضع الصورة في إطارها المباشر، ما يحدث، وفق هذه الرواية، لا يرتبط بأمن الحدود، وإنما بضغوط لفرض اتفاق يمنح الحوثيين نفوذًا اقتصاديًا واسعًا في الجنوب تحت بند دفع تعويضات الحرب، وإذا كانت هذه القراءة دقيقة، فإننا أمام واقع تستخدم فيه أدوات القوة لتمرير تسوية، لا لإزالة التهديد.

بعد إحدى عشرة سنة من (عاصفة الحزم)، تتغير الاتجاهات، ما بدأ كتحرك لوقف تمدد إيراني، يُخشى أن ينتهي بترسيخ مكاسبه، يتحول ميزان المواجهة من ردع إلى مقايضة، ويظهر احتمال نقل الثروة تحت عنوان إنهاء الصراع.

الجنوب ليس تفصيلًا في هذه المشهدية، هو ساحة مواجهة تحملت كلفة بشرية كبيرة، وكان في مقدمة من تصدى للتمدد المدعوم إيرانياً وكذلك إخوانياً، طرح فكرة أن تكون النتيجة إعادة توزيع موارده خارج إرادته لا يعكس خللًا سياسيًا فقط، وإنما يفتح الباب أمام دورة صراع جديدة.

وأبعد من ذلك، فإن العالم وهو يتعامل مع إرهاب النظام الإيراني، معني بأن ينتبه إلى خطورة أي تسوية تُبرمها السعودية بشكل منفرد مع جماعة الحوثي، مثل هذه الترتيبات لا تنهي التهديد، وإنما تمنحه فرصة لإعادة التموضع، وقد تفتح الباب لتشكّل نموذج مماثل يرسّخ نفوذًا طويل الأمد في جنوب شبه الجزيرة العربية.

أيّ سلام لا يمر عبر إرادة السكان وحقوقهم لن يستقر، تجاهل القوى الفاعلة على الأرض لا يؤدي إلى إنهاء الأزمة، وإنما يؤجل انفجارها، وكل اتفاق لا يحفظ الأرض والموارد والهوية سيبقى هشًا، مهما بدا منظمًا على الورق.

السلام لا يُبنى على المقايضة بالثروات، والسيادة ليست مادة قابلة للتفاوض، وأي محاولة لشراء الاستقرار من خلال موارد الجنوب ستقود إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أشد تعقيدًا.

لقد قادت الرياض حملة كراهية كبرى ضد المجلس الانتقالي الجنوبي وقصفت قواته ومدنه بغارات جوية قتلت فيها الآلاف المدنيين والعسكريين تحت تهمة تهديد الجنوبيين لأمنها القومي واتهامهم بترتيبات مع إسرائيل على حدود المملكة السعودية، لذا فإن ما يجري ليس تسوية ظالمة مع جماعة الحوثي فقط، إنما اختبار للنظام العالمي القائم على احترام السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والجنوب، بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي، سيبقى الصوت الذي يقولها صراحة، لا حل دون إرادة الجنوبيين، ولا سلام على حساب ثرواته، ولا مستقبل مع مشروع إيراني أو إخواني تحت أي غطاء.