آخر تحديث :الخميس - 07 مايو 2026 - 09:52 م

كتابات واقلام


الوحدة ليست إلهًا يُقدس، ولا دينا لا يتبدل

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 09:48 م

احمد حرمل
بقلم: احمد حرمل - ارشيف الكاتب


منذ العام 2015 واليمن يعيش حرباً دامية مزّقت الشمال والجنوب معاً، وأكلت الأخضر واليابس، وأورثت الشعب الفقر والجوع والتهجير.

والكراسي في الجنوب او الشمال على حد سواء تحولت إلى غنائم يتشبث بها المتصارعون، لا امتحاناً أخلاقياً ولا مسؤولية وطنية.

وهنا تبرز الحاجة إلى وقفة تأمل لماذا تصبح السلطة في بلادنا لعنةً لا نعمة؟ ولماذا لا يغادرها صاحبها إلا بعد أن تدفع الشعوب ثمن الجلوس والرحيل معاً؟

الصراعات والحروب لدى العرب ليست غريبة، فهي موروث تاريخي ، وقد يقول قائل لماذا نحن العرب هكذا دون غيرنا وما الفرق بيننا وبين الغرب ؟
نقول لهم وبكل بساطة ان الفرق بيننا وبين الغرب هو نفس الفرق بين الحمام العربي والحمام الفرنجي ، فالأول لا يُستبدل إلا بالكسر وإعادة البناء من تحت الأنقاض، أما الثاني فيُستبدل بسهولة بفك أربعة مسامير ووضع الجديد مكانه.

وكأن القدر أراد ألا يغادر الحاكم العربي كرسيه إلا قابرا او مقبورا ، رحلة من القصر إلى القبر، وما بينهما إلا دماء ومجازر.
بينما في الغرب، يغادر الحاكم بالديمقراطية بهدوء، كمن يبدّل أثاث منزله، بلا دماء ولا خراب.

رموز الحكم في الشمال، لا زالوا أسرى عقلية صالح، قدّسوا الوحدة كما لو كانت اله يقدس او دينا لا يتبدل ، لا عقداً سياسياً قابلاً للمراجعة والتصويب.

لم يروِهم الدمُ الجنوبي، ولا المجازرُ التي ارتُكبت باسم الوحدة، فما زالوا يلهثون خلف أوهامٍ قديمة، وها هم اليوم يحاولون أن يبعثوا من رمادها سيناريو حرب 94، بكل ما حمله من دمارٍ وتمزيقٍ للأرض والروح.

وكأنهم لم يدركوا بعد أن الدم لا ينسج خيوط وحدة، وأن القهر لا يبني وطناً، وأن من يفرض الوحدة بالقوة إنما يغرس بذور الانقسام في القلوب وعليهم ان يدركوا ان هناك فرقا كبيرا بين وحدة النفوس ووحدة النصوص .

السلطة امتحان عسير، لكنها في اليمن تحولت إلى لعنة.
فمن جلس على كرسي الحكم فما رآه إلا وسيلة لعيش رغيد، وصار الحفاظ عليه ديدنه، ومن أجل ذلك يرتكب المجازر دون أن يفكر بعواقبها. فاختزل الوطن في شخصه، وجعل من شعبه رعية تطيعه لا مواطنين يشاركونه، ذاك لم يجد تحت الكرسي إلا جمراً، فأحرق نفسه وأحرق معه شعباً بأكمله.

ولنا في علي صالح ومن سبقوه عبرة، فكيف كانت نهايتهم إلا سقوطاً يذكّر المتصارعين اليوم أن الكرسي لا يدوم، وأن من يظن الحكم غاية قصوى إنما يجرّ على نفسه الهلاك، ويترك وراءه وطناً مثقلاً بالجراح.

قال الله تعالى: "وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ". فالكراسي لا تدوم لأحد، والتاريخ لا يسأل من جلس، بل كيف جلس وماذا صنع. واليمن اليوم شاهد حي على أن من جعل الكرسي غنيمة أورث شعبه الخراب، وأن من تعامل معه كتكليف، ترك إرثاً يخلّد اسمه.

الحكمة الشعبية تقول: "لو دامت لغيرك ما وصلت لك". لعلها تذكرة لكل من يظن أن الكرسي أبدي، بأن السلطة عابرة، وأن الشعوب هي الباقية. فالتاريخ لا يرحم من جعل القصر ممراً إلى القبر، شمالاً وجنوباً، وترك خلفه بلداً يئن تحت الركام.

ولعل اليمن اليوم أحوج ما يكون إلى أن يتذكر أبناؤه أن السلطة ليست غاية، بل وسيلة لخدمة الناس. وأن الحوار والسلام هما الطريق الوحيد لإنقاذ الوطن من دوامة الدم والدمار. فالتاريخ لا يخلّد من أشعل الحروب، بل من أطفأها، ولا يرفع من مزّق الشعوب، بل من جمعها على كلمة سواء.

والعبرة تبقى: من جلس للخدمة خلّد الأثر، ومن جلس للغنيمة أوقد الحريق واحترق.