آخر تحديث :الإثنين - 18 مايو 2026 - 09:43 م

كتابات واقلام


مِيليشيات إعلامية

الإثنين - 18 مايو 2026 - الساعة 09:12 م

احمد عبداللاه
بقلم: احمد عبداللاه - ارشيف الكاتب


الحروب لا تدور فقط على الأرض، وإنما تنتقل أيضاً إلى الفضاء الإعلامي، حيث تتشكل ميادين أكثر تعقيداً وأشد تأثيراً، وتصبح الكلمة أداة للهيمنة وإعادة تشكيل الوعي.

وحين يضج هذا الفضاء بكتابات وأحاديث تخلو من الأمانة والصدق، ويذهب بعض رواد المنصات إلى تغييب أو تشويه الحقائق، كلّ وفق توجهه أو مصلحته، تتحول الميديا إلى أداة للتزييف وتوجيه انفعالات العامة بعيداً عن العقل والحقيقة.

ولا يتعلق الأمر بالشعبوية أو السطحية وحدهما، بقدر ما يرتبط أيضا بتكوينات سيكولوجية مأزومة تصبح شديدة الخطورة حين تعبث بنسيج المجتمع أو تنخرط في مسارات عدائية مشحونة بكل أدوات القبح والتحريض.

وكأن المجتمع بات يواجه نوعاً جديداً من الميليشيات، لكن بوجوه إعلامية وأدوات رقمية.

الخطر الأكبر أن أبطال الميديا والرموز المؤثرة يصل خطابهم إلى ملايين البشر. وحين تتحول الكلمة إلى أداة تعبئة وتحريض، فإنها لا تقل فتكاً عن السلاح المنفلت، خصوصاً عندما يصبح الرمز الرقمي خصماً يمارس التضليل والخديعة في ظل غياب القوانين الرادعة والكود الأخلاقي للإعلام وللنشر، فيهجم بشراسة على خصومه، لكنه يراوغ حين يواجه بالحقيقة.

أليس هؤلاء، في جوهر الأمر، زعماء ميليشيات بأدوات مختلفة؟

الحقيقة أن تلك الأدوات لم تعد ناعمة، بل أصبحت شديدة الخطورة حين تستخدم نفوذها الإعلامي للإضرار بالمجتمع، وإخفاء الحقائق، ونشر التضليل لخدمة مصالح خاصة أو أهداف سياسية، إضافة إلى أصحاب التكشيرات الأيديولوجية الذين لا يرون في الآخر سوى تابع أو خصم، ولا يعترفون بالاختلاف.

وثمة فراغ فكري واسع خلف هذا الضجيج، في زمن الحروب والأزمات، حتى يعجز المرء عن استيعاب تعقيدات التنوع والتدافع السياسي والاجتماعي بجذوره وأبعاده، وسط هذا الفضاء المسموم.

وفي عالم الميديا، خصوصاً داخل الدول المأزومة، يعاد تشكيل الرأي العام وفق مصالح قوى متصارعة، وتتحول المنصات إلى ساحات لتشويه الوعي والقتل المعنوي، بينما ترتكب انتهاكات واسعة باسم حرية التعبير السياسي في مناخ فوضوي يبتعد كثيراً عن أخلاق الاختلاف وقيم الصراع.

لكن الأخطر من كل ذلك هو المال السياسي، حين يتحول إلى مهندس للأجندات الإعلامية، يصنع الأبطال والخصوم وفق مقتضيات اللحظة. وإلى جانبه يقف القطيع الرقمي، ذلك الحشد المنفعل الذي يستهلك ويعيد نشر الكراهية والشائعات والانقسام، مانحاً هذا الانفلات قدرة هائلة على التمدد والاستمرار، حتى يصبح الزيف أكثر حضوراً من الوقائع، ويغدو الضجيج أعلى صوتاً من العقل.
احمـــــــــــدع